#dfp #adsense

1559 الأصلُ والأساس

حجم الخط

تزامناً مع الزيارة التي يقوم بها الأمين العام للأمم المتّحدة بان كي مون إلى لبنان نهاية الأسبوع الجاري، من واجب اللبنانيين أن يتذكّروا "كرم" المنظمة الدوليّة في القرارات التي أصدرتها لمصلحة وطنهم، والتي من شأن تطبيقها أن يعزّز سيادة الدولة اللبنانيّة على أرضها.

مِن بين هذه القرارات الدوليّة، يبقى القرار 1559 الأصل والأهمّ. وذلك لأنّه يقدّم الأجوبة عن كلّ الجوانب التي تشكّل انتهاكات لسيادة الدولة الحصريّة، بل هو شكّل القرار الدوليّ التأسيسيّ لحماية لبنان كياناً ودولةً، القرار الذي ارتكز عليه قراران مهمّان بعدَه، القرار 1680 المتّصل بالحدود اللبنانيّة – السوريّة، والقرار 1701 المتّصل بالحدود اللبنانيّة الجنوبيّة.

فعلى سبيل المثال، وإزاء الانتهاكات للقرار 1701 من الجانب اللبنانيّ للحدود، فإنّ الجواب متضمّن في الـ 1701 نفسه الذي يحظر وجود سلاح ومسلّحين في الجنوب، والذي يقيم منطقة منزوعةً من السلاح والمسلّحين جنوب الليطاني، ويضع هذه المنطقة من لبنان في عهدة ثنائيّة الجيش – "اليونيفيل". غير أنّ الجواب "الأصلّي" متضمّن في الـ 1559 الذي يقول بحلّ جميع الميليشيات اللبنانيّة وغير اللبنانيّة. كذلك حيالَ ما يجري على الحدود اللبنانيّة – السوريّة شرقاً وشمالاً، فإنّ الجواب – الحلّ يكمنُ في الـ 1559 لناحية حلّ الميليشيات كلّها، وفي الـ 1680 حول ضبط الحدود مع سوريّا، وهو موجودٌ في الـ 1701 أيضاً الذي يسمحُ للسلطة اللبنانيّة الشرعيّة في الاستعانة بقوات الأمم المتّحدة من أجل مراقبة الحدود ومنع تهريب الأسلحة والمسلّحين. والأمرُ نفسه في ما يتعلق بمطالبة نوّاب العاصمة بجعل بيروت مدينةً منزوعة السلاح، حيثُ الجواب – الحلّ في القرار 1559.

لا يمكنُ للالتزام بالقرار 1701 أن يكون جديّاً ما لم يكن مقترناً بالتزام جدّي وأصيل بالقرار 1559، فضلاً عن تنفيذ الـ 1701 بحرفيته. كما لا يمكن للالتزام بالقرار 1680 أن يكون جاداً ما لم يقترن بالالتزام بالـ 1559. وكذلك فإنّ شرط أن تكون بيروت وسائر المدن اللبنانيّة منزوعة السلاح، هوَ الالتزام بالـ 1559 وتنفيذه.

وعندَ هذه المحطّة من النقاش، يجب الاعتراف بأنّ المعارضة الاستقلاليّة السياديّة بين مطلع أيلول 2004، تاريخ صدور الـ 1559، وبينَ تاريخ استشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، ثمّ بعدَ أن صارت تلك المعارضة حركة 14 آذار، بادرت إلى الالتفاف على القرار 1559 من أجل "هدف نبيل". فهي – لا سيّما منها الرئيس الشهيد والرئيس سعد الحريري من بعده ومعهما النائب وليد جنبلاط – إذ اعتبرت أنّ الـ 1559 حقّق مبتغاه الرئيسيّ، أي الانسحاب السوريّ من لبنان، أبدَت حرصاً على أن يكون السلاح موضع "حوار" لبنانيّ – لبنانيّ.

يجب الاعتراف إذاً بأنّ موقف الحركة الاستقلاليّة السياديّة، بصرف النظر عن حسن مقاصده، لا سيّما السعي إلى التوافق اللبنانيّ، إنّما ساهمَ – الموقف – في تصيّد الفريق الآخر للظروف، وتحويل عنوان السلاح تحت السلطة الحصريّة للدولة إلى عنوان آخر صار اسمُه "الإستراتيجيّة الدفاعيّة". وصار العنوان الأخير مظلّة لتمييز بين سلاح مقاوم وسلاح داخليّ (!) بين سلاح ثقيل وآخر خفيف! كما صار مظلّة للحديث عن ثنائيّة الجيش والمقاومة! ثمّ عن ثلاثيّة الشعب والجيش والمقاومة!.

سيكون بان كي مون في بيروت أمام "شورباء" لبنانيّة: خلطةٌ للقرارات الدوليّة على طريقة لبنانيّة رديئة، وحتى بعض القرارات الإيجابيّة الصادرة عن الحوار الوطني، لا سيّما في ما يتعلّق بـ "السلاح الفلسطيني" خارجَ التطبيق، ولبنان في حال من عدم الاستقرار من أقصى جنوبه إلى أقصى شماله. فهل سيمتلك أيّ مسؤول جرأة إقناع الأمين العام بأنّ لبنان في وضع سليم؟ هلَ سيكون أيّ مسؤول في وضع القدرة على طلب دعم دوليّ للبنان في ظروف التوتّرات القائمة؟ أم هل يستطيع أيّ مسؤول أن يطمئن ممثّل المجتمع الدولي على سلامة قوّات حفظ السلام؟.

إنّ الشجاعة السياسيّة تقتضي من رئيس الجمهوريّة، في وقتٍ يكرّر تطلّعه إلى إعادة جمع طاولة الحوار، لكن في وقت يعلنُ "حزب الله" أنّ الزمن ليس للعودة إلى الطاولة وأنّ "الإستراتيجيّة الدفاعيّة" محسومة، أن يضع للحوار – سواء تمّ اليوم أو تأخّر إلى وقت آخر – عنواناً وحيداً هو تنفيذ القرارات الدوليّة المترابطة سلّة واحدة، ابتداءً من الـ 1559، بحيث تكون مهمّة الحوار هي صَوغ الآليّات التنفيذيّة. فهذا هو "البديل" من الحوار غير المجدي، بما أنّ سقف القرارات الدوليّة – التي يشكّل الـ 1559 مفتاحها – هو الدولة اللبنانيّة وسيادتها لمصلحة اللبنانيين كلّهم.

لا بدّ أن يسمعَ بان من الرئيس، ومن جميع الذين سيلتقيهم، استعداداً لبنانياً في هذا الاتجاه… وأن يبنيَ بعد ذلك على ما سمعَه المُقتضى. فلبنان بحاجة اليوم وأكثر من أيّ زمن مضى إلى المجتمع الدوليّ لحمايته من العواصف، والمنظمة الدوليّة لا تستطيع أن تواصل مع لبنان "الانتظاريّة" المُمارسة حاليّاً، كي لا يُقال ما هو أكثر من "الانتظاريّة"!.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل