عندما كنت لا أزال في رأس بيروت، كنت أسكن في مبنى قديم يضم على سطحه شقة صاحب الملك الذي كان يمضي نهاره في "كشّ الحمام"، وهي هواية بيروتية شائعة. وكان يتخاطب مع الحمام بلغة "القصف"؛ فإذا ارادها ان تعود إلى "عشّها" على السطوح، قصفها بأنصاف الليمون والتفاح، واحياناً بحبّات البحص، او حتى… بفردة حذائه القديم.
واعتاد جارنا، صاحب الملك، على تلك الطريقة في التخاطب؛ حتى أنه عندما كان يتجادل مع أولاده ويريد إسكاتهم، يرميهم بإحدى تلك "القذائف"…
وكنت أنا، التي أسكن في الطبقة الأرضية وأتمتع بفسحة صغيرة أمام باب منزلي، أتلقى شظايا قذائف الجار المتطايرة في أي وقت من النهار والليل من دون ان أرفع صوتي للاعتراض والشكوى… فهو صاحب الملك ولا يعنيه ما أريد وما لا أريد، أنا المستأجرة لديه.
وبقيَ الحال على تلك الحال سنوات طويلة إلى أن غادرتُ المبنى وهجرت الحي ورحلت إلى البعيد بحثاً عن عيشٍ هادئ… ونومٍ هانئ.
ولكن، ها انا اليوم على يقين بأنني لو كنت لا أزال في تلك الشقة في ذلك المبنى لدى صاحب الملك ذاك لكنتُ الآن استجمعت قوتي ورفعت صوتي وقلت له بالفم الملآن: لا أريد لشظاياك أن تتطاير على رأسي وعلى باب منزلي… فالزمن تغيّر والعصر تطوّر وربيع الشرق أزهر، ولم يعد للسكوت والإذعان مكان.
تحضرني ذكرى ذلك الجار وشكواي الصامتة آنذاك من شظايا قذائفه "المتعفّنة" بمعظمها وأنا استعرض اموراً شبيهة يعيشها اللبنانيون يومياً ويكتفون بالاعتراض عليها في شكاوى… صامتة.
ففي لبنان سلسلة أمور لا يريدها الشعب ولكنه يكتفي برفعها شعارات – وليسَ فروضاً – على من يرفعها في وجهه.
فعلى سبيل المثال، لا الحصر: الشعب لا يريد ان يدفع فاتورتيْ كهرباء أو ماء… ولكنه يدفع الفاتورتيْن في كل مرة دون أن يحرك ساكناً.
لا يريد أن يقود سيارته بين الحفر والطرقات غير المخططة وغير المزودة بالإشارات وبين سائقين يعربدون على الطرق بلا حسيب أو رقيب… ولكنه يقود ويقع في الحفر ويعاني الأمرّين وليس في يده حيلة.
لا يريد فاتورة هاتف خليوي بحجم إيجار البيت ولا يريد بنزيناً مغشوشا ولا يريد اتصالاً ضعيفاً بالإنترنت… ولكنه "يشرّج" بلا حساب.
لا يريد استقواء طرفٍ ما بالسلاح على أطراف أخرى… ولكنه يكتفي بتسجيل الاعتراض لدى زملاء العمل وجيران الحي وروّاد قهوة "أبو سمرا" في زاوية الشارع.
لا يريد طمسَ الحقائق وتمييعَها ورمي مسؤولية كل الجرائم التي يشهدها لبنان على "العدو الصهيوني الغاشم"… ولكنه يكتفي بإعلان موقف.
لا يريد قطّاع طرق وزعراناً "فالتين" في الشوارع… ولكنه يلقي عليهم التحية بأسمائهم لدى مروره بهم.
لا يريد انقلابات تطيح بنتائج انتخابات نيابية شارك فيها آملاً في التغيير… ولكنه يعفو، شاكياً عدمَ المقدرة.
لا يريد تمييزاً عنصرياً أو طائفياً في فرص العمل والمواقع الرسمية، ولا يريد تمييزاً بحق المرأة في قوانين الأحوال الشخصية والتجنيس وغيرها… ولكنه يكتفى بكلمة: "كفى".
الشعب في لبنان "لا يريد" كثيراً من الامور، ولكنه – كما كانت حالي مع جاري ذاك- يرفع شكوى صامتة، خجولة، مخنوقة… لا تجرّح الحناجر، فلا تصل للآذان ولا تلقى صدى.
الشعب يريد أو لا يريد… لم يعد هذا هو السؤال المطروح في حالة لبنان. فالشعب يريد التغيير والتطوير، ولكن… الإرادة وحدها لم تعد تكفي. بل بات عليه ان يعمل ويتحرك ليحوّل الشكوى إلى صرخة مدوية ومواجهة حقيقية حتى يصل إلى ما يصبو إليه، إذا كان يبتغي أن يعيشَ هادئاً وينامَ هانئاً في منزله وفي مبناه وفي مدينته، فلا يهاجر إلى البعيد بحثاً عن الطمأنينة المنشودة!