وفجأةً، وفي وسطِ معمعةِ الرّؤوس والأكتافِ المتدافعة، يعنُّ له أن يغلقَ سجلَّه الذّهبيّ المغطّى بطبقاتٍ من الغبار، ويلبطُ البابَ برجلِه ويخرجُ من مكتبِه كالغضنفر كي يشعلَ سيجارةً ويرتشفَ فنجانَ قهوة بوقاحةٍ لامتناهية متناسياً أنّه في مكان عمل، وأنّ هناك قراراً ولو على الورق يمنع التّدخين في الأماكن العامّة!! وتعلو همهمةُ المواطنين المساكين المنتظرين الفرج، وإن تجرّأ أحدهم ووجّه إليه ملاحظةً رفع حاجباً وخفضَ آخر قائلاً: "ولو النّهار بأوّله"، ومعناها معروفٌ: "العمولة تسهّل المعاملة"! ثمّ يتهادى كالغزال عائدًا إلى عمله متلكّئًا، عينٌ على الورق وعين تتسلّل إلى وجوه النّاس لتقرأَ مدى حاجاتهم فيقتنصَ منهم الغنيمة.
كلّ هذا يدور في غرفةٍ ضيّقةٍ متّسخةٍ مشقّقة الجدران، تحوي رفوفًا عليها سجلاّتٌ لا يمكنُ لناظرها إلاّ أن يتساءلَ إلى أيّ عهد تنتمي: هل هي من العهد العثمانيّ، أم بلغها التّجديدُ فمرّ عليها عهدُ الانتداب؟! غبارٌ! غبارٌ! وأوراقٌ صفراء ووجوه صفراء غبراء تشبه وجوه الذّئاب الّتي تبحثُ بهدوءٍ عن وليمة!
إن "خالفك" الحظّ ومررتَ في ذلك المكان، لا يمكنُكَ إلاّ أن تلعن السّاعة الّتي علّمك فيها والدُك الولاء للوطن والانتماء للدّولة، ولا يمكنُكَ إلاّ أن تثورَ لأنّك، خلافاً لغيرِكَ، تدفعُ الضّرائبَ لدولةٍ من واجبها أن تبادلَك الولاء بولاء والاحترام باحترام، والواجب بحقّ. ولكن للأسف، نحن مواطنون أو ربّما زبائن في جمهوريّة تشبه أكثر ما تشبه جمهوريّة البصل في أقاصي التّاريخ.
(ملاحظة: هذا المقال لا يعمم على جميع موظفي القطاع العام حيث بعضهم يتمتع بالنزاهة والكفاءة والحس الانساني والمسؤولية الوظيفية ولكنه يعكس واقعاً وظيفياً مزرياً ومستشرياً وحقيقة لا يمكن تجاهلها).
