لا تزال الولايات المتحدة تراهن على المبادرة العربية لمعالجة الأزمة في سوريا على الرغم من النتائج غير الحاسمة للاجتماع الأخير للجنة الوزارية العربية الذي إنعقد في القاهرة وخصص للبحث بأول تقرير عن بعثة المراقبين العرب.
وفي موازاة هذا الرهان يبقى أن واشنطن لا تزال تؤيد بقوة نقل الملف السوري إلى مجلس الأمن الدولي، حيث ستتكثف المشاورات هذا الأسبوع من أجل حسم هذه المسألة على الرغم من المعوقات التي لا تزال تعترضها وفي مقدمها الموقف الروسي في الأمم المتحدة.
وتكشف مصادر دبلوماسية في واشنطن أن إجتماعاً سيعقد منتصف هذا الأسبوع بين وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني ووزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون لا سيما بعد المحادثات التي أجراها المسؤول القطري في الأمم المتحدة وتركزت حول طلب المساعدة الدولية في تدريب المراقبين العرب على أداء مهامهم في سوريا خصوصاً وأنها التجربة الأولى التي تخوضها دول الجامعة العربية على هذا الصعيد وانه لا بد من الإستفادة من خبرات المنظمة الدولية في هذا المجال. وتوضح المصادر ذاتها أن المطالبة القطرية بمساعدة المراقبين العرب تشكل إحدى المحاور التي يمكن من خلالها توسيع دور الأمم المتحدة في التدخل على خط الأزمة السورية، وأن هذه الأمور ستكون في صلب محادثات المسؤول القطري في وزارة الخارجية الأميركية.
وتعتبر المصادر الدبلوماسية في الوقت ذاته أن الوصول إلى صيغة واضحة حول دور مجلس الأمن الدولي في سوريا تبدو بعيدة المنال حتى الآن لأسباب عدة:
أولاً: إن مراهنة الولايات المتحدة على دور الجامعة العربية ستبقى هي الأساس في محور الموقف الأميركي طالما أن اي قرار من مجلس الأمن ليس مضموناً على غرار ما جرى في الموضوع الليبي. وبالتالي تريد الولايات المتحدة إستنفاد المبادرة العربية حتى رمقها الأخير، وهي تفضل أن يدفع تأزم الأمور في سوريا بشكل أكبر وإستمرار أعمال العنف من قبل السلطات بالدول العربية والجامعة العربية إلى إصدار الطلب الواضح والصريح بنقل ملف سوريا إلى مجلس الأمن الدولي بما يشكل غطاء كافياً لتحرّك حازم في مجلس الأمن.
ثانياً: تلاحظ المصادر أن أي خطوات قد يحدد أي قرار دولي إتخاذها مثل إقامة منطقة آمنة لحماية المدنيين السوريين وإيصال المساعدات الإنسانية لهم لا تزال تعترضها عقبات عدة ومنها عدم معرفة أو تحديد المكان الذي يمكن أن تنشأ فيه هذه المنطقة الآمنة، وأيضاً عدم حسم موقف كل من تركيا والدول العربية النهائي من أجل مساهمتهم في خلق وحماية هذه المنطقة، ويبقى الموقفين التركي والعربي ضبابياً على هذا الصعيد حيث لم تتلق الولايات المتحدة إشارات واضحة وعمليّة على الإستعداد الكلي للدول الإقليمية في المساهمة بإقامة المنطقة الآمنة في سوريا.
ثالثاً: تشير المصادر الدبلوماسية إلى أن الموقف الأميركي من المعارضة السورية وإن تدرّج صعوداً وصولاً إلى فتح قنوات الاتصال مع بعض أطياف هذه المعارضة ولا سيما مع المجلس الوطني السوري، إلا أنه لم يرق كما الكثير من الدول إلى حد الإعلان صراحة أن هذه الجهة أو تلك من المعارضة أنها تمثل الشعب السوري بشكل شرعي، والسبب في ذلك ليس بحسب إعتقاد هذه المصادر أن الدول الغربية قد تعيد فتح قنوات الاتصال مع النظام السوري، إلا أن هذه الدول ومن بينها الولايات المتحدة لم تر أي إطار حاسم وفاعل للمعارضة السورية إن على صعيد توحيد صفوفها وجهودها أولاً، أو ثانياً لناحية نجاح هذه المعارضة في صوغ موقف موحد حول طلب التدخل الدولي في الأزمة السورية، وهي تعتبر أن الموقف لا يزال متباعداً بين معارضة الداخل والخارج حول جدلية تأييد تحرّك مجلس الأمن الدولي في إتجاه معالجة الأوضاع في سوريا.
رابعاً: تعتبر المصادر الدبلوماسية أنه تبعاً لواقع «الجغرافيا السياسية» الذي يتحكم بموقع سوريا في المنطقة تبقى حدود أي تدخل عسكري دولي مباشر في سوريا محفوفة بمخاطر شتى ولا سيما في ضوء إمكانية إنعكاس مثل هذا التدخل على الأرض في توتير المنطقة بأكملها وهو ما يدفع الدول الغربية إلى محاذرة القيام بأي خطوة عسكرية غير مضمونة النتائج، وفي الإنتظار يبقى أن هذه الدول تبقي على موقفها في تأييد التحرّك العربي، وفي إتخاذ المزيد من العقوبات والإجراءات التي في إعتقادها قد تزيد من حجم الضغوطات على النظام السوري وتدفع بشكل غير مباشر في تحقيق التغيير المنشود في سوريا في النهاية.
خامساً: تماماً كما فعلت الإدارة الأميركية في رسم حدود مشاركتها في مساعدة الثوار الليبيين على الإطاحة بنظام القذافي، فهي أيضاً وإن حسمت أمرها في مطالبة الرئيس السوري بشار الأسد بالتنحي وتخليها المطلق عن البحث في أي تسوية ممكنة مع النظام السوري الحالي، فإن تحرّك واشنطن فيما يخص الأوضاع في سوريا يبقى حتى إشعار آخر يقف خلف التحرّك العربي، وفي ظل تنسيق مشترك مع الدول الأوربية وتركيا بحيث أن معالم أي خطة مستقبلية للتعامل مع هذا الملف ستتحدد من قبل هذه الأطراف مجتمعة ، حيث لا تفضل الإدارة الأميركية الحالية أن تتفرّد في وضع أي قرارات تخص الملف السوري لوحدها، لا سيما قبل أشهر قليلة من دخول الولايات المتحدة وإنشغالها الأساسي بموسم الإنتخابات الرئاسية حيث تنخفض فيها مستوى القرارات الحاسمة في السياسة الخارجية.