لم يمرّ الوقت الكافي بعد كي تنسى العرب مطوّلات الذم والقدح والسبّ والشتم والتخوين والتبخيس التي أطلقتها القيادة السورية ورهط ملحقاتها ومذيعي نشراتها وبياناتها وتعليماتها وتسريباتها في لبنان، في حق قادة وشعوب ودول عربية على خلفية الوضع اللبناني سابقاً، والوضع السوري راهناً.. وفي حق الجامعة العربية وبنيانها وإجراءاتها وقراءاتها.
ولم يمر الوقت الكافي بعد كي ينسى أحد تلك المطالعات الكلامية، فإذ برأس السلطة في دمشق يطلّ ليتوّج ذلك الأداء بكل مصطلحاته اليقينية، وبكل رخامة الطلّة الإعلامية التي تابعها الناس أينما كانوا، مثلما كانوا يتابعون طلاّت معمّر القذافي الأخيرة، وما تضمّنته من فتوحات جليلة في اللغة وأحكامها ومعانيها!
لم يختلف خطاب الأمس في دمشق في مضمونه البعيد والعميق، عمّا كان يقوله القذافي في طرابلس.. تختلف طريقة التقديم وشكل اللغة وجغرافية المسرح والمكان، غير أنّ الاثنين (مثلاً) لاحظا في المحصّلة ما قبل الأخيرة، أنّ ما يحصل عندهما هو مؤامرة هجينة غربية عربية مشتركة. ومثلما فعل الأوّل هناك يفعل الثاني هنا، "هؤلاء إرهابيون ومجرمون وليسوا ثواراً" قال الأسد، متوعّداً بالقبضة الحديدية! تماماً (تقريباً) مثل صرخة القذافي الشهيرة عندما توعّد بملاحقة الليبيين "بيت بيت، دار دار، حي حي، زنقة زنقة، رجل رجل"!.
لكن الخطب (وليس الخطاب) بالأمس كان أقل سطوعاً ومسرحة من ذلك الانزلاق المدرار للعقيد الليبي.. حيث في شخصيته أساساً الكثير من البهرجة والاستثناء والغرابة والطرافة والهلوسة في الشعر والفلسفة واللغة وعلم الأقوام والأجناس واللسانيات والتاريخ والجغرافيا، وما إلى ذلك من طاووسية في اللباس والهندام.. الخ. غير أننا بالأمس شهدنا أداءً مسرحياً من دون عدّة المسرح. وطغياناً لغوياً ثقيل الوطأة، واستعادات خلاّبة لشخصيات مرّت وعبَرَت في التاريخين القديم والحديث، العربي والأجنبي، ترك أصحابها خلفهم خراباً عميماً، ما قبله خراب، وما بعده ليس سوى ذاك المتناسل منه، بازّاً إيّاه ومتفوّقاً عليه وعلى آثاره.
خطاب ثقيل الوطأة.. ثقل تلك "القبضة الحديدية" الموعودة. وكأنّ الذين ماتوا على مدى الشهور العشرة الأخيرة، إنما سقطوا نتيجة تراكم الورد فوق أنفاسهم! أو نتيجة الإجهاد من كثرة الغناء على ضفاف العاصي وتحت سماء سوريا ذات النجوم اللمّاعة والمضيئة!.. أو كأنّ تلك الدبابات الدابّة في كل حي وركن وشارع، وتلك الأسلحة الرشاشة الفالتة صوب الرؤوس والأجساد والأصوات العالية، إنما كانت ترمي الرزّ والزعفران والبخور والآس، وليس الحديد والبارود والنار والرصاص!
لم يختلف خطاب الأمس في دمشق، عن مطوّلات النكران التي دأب عليها القذافي في أواخره، إلاّ بالطقوس التي صاحبته.. المضمون الأخير العام والنهائي واحد، لا تنفصم وحدته ولا تُحلّ وثقة عروته.. وأبلغ ما في ذلك هو البداية في الكلام عن النهاية.. "لا يهمني المنصب" قال الأسد. وقبله قال القذافي ان لا منصب عنده. والهمّ الواحد عند الاثنين ليس إلاّ الكرامة. فهي فوق كل المناصب، بل هي أم تلك المناصب؟
لم يفاجئ أحداً خطابُ الأمس، ومَنْ كان يظنّ شيئاً آخر، لا يعرف شيئاً لا عن القذافي، ولا عن الأسد. في حين أنّ المعنى التام للكرامة وضعه الليبيون منذ مدّة موضع التنفيذ، ويعرف السوريون الأحرار كيف يضعونه بدورهم موضع التنفيذ، وإن بعد مدّة!