#dfp #adsense

يا قوم إلامَ وحتّامَ

حجم الخط

"ما زلنا في غرف التخدير على سرر التخدير ننام
والعام يمر وراء العام وراء العام
والأرض تميد بنا والسقف يهيد ركام فوق ركام
والكذب يغطينا من قمة هامتنا حتى الأقدام"
فدوى طوقان

في طفولتي حدث ما زال يحفر في ذاكرتي عندما كان الأب الجليل "أدريان" مدير المدرسة، يسقط صريعاً أمام أعين التلامذة في الملعب بعد أن رمى عليه أحد الرعاع حوضاً صغيراً للورود من على سطح البناء، فأصيب مديرنا المحبوب بجروح خطيرة نجا منها بأعجوبة. كان هذا الحدث في أوائل ستينات القرن الماضي يوم اقتحم بعض المتظاهرين مدرستنا لإجبارنا على التعطيل في ذكرى يوم تأسيس "الجامعة العربية".

أذكر يومها أيضاً أن المجتمع الطرابلسي انقسم بين مستهجن لتصرفات المتظاهرين غير الحضارية، وبين شامت بما حل بالمدرسة ومديرها لأن عدم التعطيل في هذا اليوم هو جزء من "المؤامرة على العرب التي تقودها أميركا والصهيونية".

الواقع هو أن معظم العرب لا يعرفون أن الدول "الإمبريالية" هي أول من اقترح إنشاء منظمة تجمع العرب وتسعى الى توحيدهم. الفكرة انطلقت سنة 1941 مع "أنطوني أيدن" وزير خارجية بريطانيا عندما دعا "المفكرين العرب للسعي الى درجة من درجات الوحدة أكثر مما تتمتع به الآن. إن العرب يتطلّعون الى نيل تأييدنا في مساعيهم نحو هذا الهدف… ويبدو أنه من الطبيعي تقوية الروابط الثقافية والاقتصادية بين الدول العربية وكذلك الروابط السياسية".

بعد ذلك، دعا رئيس الوزراء المصري "مصطفى نحاس باشا" كل من رئيس الوزراء السوري "جميل مردم بك" ورئيس "الكتلة الوطنية اللبنانية" بشارة الخوري، للبحث في إقامة رابطة بين الدول العربية. في بداية المداولات تضاربت الآراء بين الدول المشاركة في النقاش حول جغرافية الوحدة وطبيعتها السياسية، وهل ستصل الى حد الكونفدرالية، أم ستبدأ بخطوات تمهيدية تحافظ على الاستقلال السياسي للدول المعنية. بعد مداولات مكثّفة توصّل المجتمعون الى ما سمي ببروتوكول الإسكندرية الذي أسس لميثاق الجامعة العربية.

على المستوى الشعبي، شكّلت الجامعة العربية حدثاً ألهم آمال الحالمين بوحدة تعيد الاعتبار لكرامة المواطنين وتحررهم من الظلم والإذلال الذي عاشوه على مدى قرون من الاستعمارات المتوالية. أما في الواقع، فقد تبيّن أن هذه الجامعة ما هي إلا تجمع لحكام متفاهمين فيما بينهم على الدعم المتبادل لدوام حكمهم الى الأبد وإلى ما بعد الأبد.

على عكس التجمعات الإقليمية والدولية المحترمة، حيث المواطن الفرد هو الأساس في تكوين الأفكار المؤسسة للوحدة، وحيث حقوقه مصانة وحريته مقدسة، فإن المواطن العربي بقي فاقداً لهويته في بحر يسمى الجماهير العربية، وغابت حقوق الفرد في فوضى السعي الى الوحدة، لا بل على العكس فقد استبيحت حقوق الفرد العربي وكرامته وحريته في ظل شعارات كاذبة ومخادعة.

لقد علّق حكام العرب قراراتهم ومواقفهم على شمّاعة اسمها "الإجماع العربي"، وترجمة هذه العبارة كانت دائماً النفاق المتبادل فيما بينهم حفاظاً على هذا الإجماع المقيت الذي ترك لظواهر كصدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي وعمر البشير في قمع وقتل وتشريد "الجماهير العربية" وليتعاملوا معها على أساس أنها ملكية خاصة. أما باقي الحكام فقد كانوا يكتفون بالتفرّج لأنهم هم أنفسهم مقتنعون بأن مواطنيهم أيضاً هم ملكية خاصة لا يحق لأحد خارج أو داخل الحدود بالتدخّل بشؤونهم.

لماذا هذا الحديث الآن؟ لأن فضيحة تعامل الجامعة العربية بهذا القدر من النفاق توشك بأن تقضي على كل ما تبقى من وجود لهذه الجامعة.
أنا هنا لن أتحدث عن الماضي وكيفية تعامل حكام العرب مع قضايا مثل الاحتلال السوري للبنان والحرب التي دارت في الجزائر، والفظائع التي ارتكبها صدام حسين في البصرة وحلبجة، والمجزرة المعروفة التي ارتكبها حافظ الأسد في حماه وسجن تدمر وغيرهما، وقضية "الجنجويد" عند الأخ عمر البشير، فكلها الآن أصبحت في ذمة التاريخ. أما الظاهر فقد كان الفرق في التعامل مع ما حدث في ليبيا اخيراً ومع سوريا. لقد كان واضحاً السرعة والحزم اللذان طبعا قرارات الجامعة العربية بالنسبة لليبيا والالتباس والتساهل لدرجة التواطؤ مع ما يحدث في سوريا.

ولو راجعنا سجلات حكم معمر القذافي وحكم آل الأسد لتساوى الحكمان في استهتارهما بحقوق الإنسان، ولكن نظام الأسد كان ولا يزال متفوقاً في كل المعايير على مستوى الوحشية في التعامل مع المواطنين. صحيح أن نزق القذافي وشخصيته النافرة سهّلت على حكام العرب معاداته، ولكن خبث ومداهنة نظام الأسد لا يجب أن تعطيه أحكاماً تخفيفية.

الواقع اليوم هو أن الجامعة العربية ولجنة مراقبتها لا تشكلان إلا رخصة لنظام بشار الأسد للاستمرار في قتل الشعب السوري الى حين تنهك الثورة ويعود حكم الديكتاتور كأن شيئاً لم يكن. إن مواقف هذه الجامعة اليوم ستجعلنا نندم على يوم إنشائها ويدفعنا بالتأكيد للاعتذار من الأب أدريان الذي أصبح اليوم في ذمة الله على ما اقترفته أيدينا لدعم وجود هذه الجامعة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل