الذي يسمع وسائل الإعلام الإيرانية يخال أن الحرب واقعة اليوم أو غداً، والحرب هذه بحسب إيران تشمل مناورات استفزازية ببحر عُمان ومضيق هرمز، والتهديد بإغلاق المضيق، وقصف القواعد الأميركية في الخليج بالصواريخ. وقد بدأ تسخين الجبهة منذ شهور على محور العراق – سوريا – لبنان. وبلغ هذا التسخين ذروته بإعلان المالكي مؤخراً حرباً على السنّة بدأت بالقبض على مئات منهم بحجة بعثيتهم أو قاعديتهم، ثم وصلت إلى اتهام نائب رئيس الجمهورية ونائب رئيس الوزراء بالارهاب. وفي سوريا القتل ماضٍ منذ عشرة أشهر لا يوقفه شيء حتى ولا بعثة مراقبي الجامعة العربية او التهديد بالتدويل. وقد عاد المعارضون البحرانيون إلى الحركة العنيفة، وكذلك الحوثيون باليمن.
إنما لماذا هذه الموجة الجديدة من الهياج الإيراني. السبب الظاهر والمباشر إعلان الأميركيين والاوروبيين عن نيتهم خلال أشهر إيقاف استيراد البترول الإيراني. وسيتلو ذلك (للمزيد من الضغط) مطالبة شركات التأمين بالتوقف عن التأمين على الناقلات الضخمة التي تنقل البترول من إيران! والسبب في هذه الإجراءات كلها: زيادة الضغط على إيران لمنعها من إنتاج سلاح نووي، وفي هذه المرحلة: منعها من التخصيب وزيادته، مع العلم أن إيران كانت قد أعلنت عن بدء التخصيب في مؤسسة جديدة على مقربة من قم!.
ما معنى التهديد الإيراني في هرمز؟ التهديد خطير، لأن 40٪ من الواردات البترولية إلى العالم الغربي والصين والهند واليابان تمرّ من هناك. وهذا المنع يُضرّ بالطبع الدول الخليجية والعالم الغربي وحلفاء إيران بالصين والهند، وهو بالطبع يُضرّ إيران نفسها إذ سيتعذر عليها تصدير نفطها أيضاً. إنما هل هو ممكن؟ ممكن من الناحية النظرية بأن تستولي الزوارق الحربية الإيرانية على المضيق في عدّة نقاط ضيّقة، وتمنع مرور الناقلات. وماذا تستطيع الدول الغربية أن تفعل؟ تستطيع منع ذلك بقصف الزوارق والسفن بالطائرات وإغراقها، وإذا ردّ الإيرانيون بالصواريخ على القواعد الأميركية والفرنسية والبريطانية بالخليج، فسيحاول الغربيون تدمير قواعد الصواريخ والطائرات ومراكز القيادة… وفي سياق ذلك تدمير البرنامج النووي الإيراني.
وإذا كان هذا كلّه ممكناً بل واقعاً، فلماذا الإصرار الإيراني من جهة، والإصرار الغربي على العقوبات الضاغطة من جهة ثانية؟ الإيرانيون ما عادوا يستطيعون التراجع في المسألة النووية أو ينهار نظام حكم المحافظين على الأقل (وبقسميه: الخامنئي ونجاد!). والأميركيون من جهتهم غيّروا استراتيجيتهم أيام أوباما وما عادوا يقبلون الشراكة أو المساومة وقالوا إنهم لن يشنوا حرباً على النووي، لكنهم سيستمرون في تشديد العقوبات إلى درجة الخنق، كما أنهم لم يجروا تبادلاً مع إيران باستثناء منطقة نفوذها بالعراق. وإيران وقياساً على السنوات العشر الماضية، لا تصدّق ذلك. وترى أنها بالتهديد بالصواريخ، والتهديد بالمزيد من التوتير بين السنّة والشيعة، والإثارة الأمنية بالخليج وخارجه، تستطيع اكتساب مهلة جديدة للتطوير النووي، ولتمرير الانتخابات على خير في الربيع المقبل. واعتمادها كما سبق القول على ما صار في السنوات الماضية حين سيطرت هي والولايات المتحدة بالعسكر والحركات الثورية على المنطقة العربية براً وبحراً. وأن الاميركيين في سنة انتخابات الرئاسة لن يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً لردع الهجمة الإيرانية الأخيرة. وكالعادة فإنها في الوقت نفسه عرضت على وكالة الطاقة والقوى الغربية التفاوض من جديد!.
إن الواضح أن أحداً لا يريد الحرب، لا إيران ولا القوى الغربية. فالطرفان يعرفان أن الحرب سوف تكون شاملة وسوف تضر بالطبع بإيران والعرب أكثر من الغربيين، لأنها ستجري على أرضهم هم وليس في أوروبا أو أميركا. والغرب مُتعب وبخاصة الأوروبي. إنما المشكلة في غياب الوسطاء أو ضعفهم، وفي شكوك إيران بكل أحد. والاعتماد الآن يبقى إذاً ليس على حكمة إيران، بل على خوفها من الدمار. بيد أن خوفها على نفسها لن يمنعها من استمرار التخريب ودعمه في العراق وسوريا ولبنان وأقطار الخليج. ولله في خلقه شؤون!.