وحدهم السوريّون ربما لم يترقبوا أمس خطاب رئيس يتظاهرون منذ أشهر عشرة لإسقاطه ونظامه الموروث عن أربعة عقود، فهم باتوا يذوقون فوران طعم الدماء بعد كلّ إطلالة رئاسيّة مشهدها محشوّ بالتصفيق الحادّ والهتاف السخيف، هو خطاب الخواء»، فارغ من كل قيمة إلا من التأكيد على خيار القتل، ثمّ القتل، ثمّ القتل، والسعادة الوحيدة التي تنتابك أمام هذا المشهد المكرور لسيناريو المدرج الجامعي والحشد البالي والإخراج الرديء و»المحاضرة» الرئاسيّة ـ لضرورات الهيبة الأكاديميّة للمكان ـ السعادة الوحيدة التي تنتابك أمام هذا «التقيؤ» الكلامي هو فرحة «الشماتة» بالمسماة «جامعة الدول العربيّة» التي تلقّت أمس «رشقة حذاء» جزاء مماطلتها ومراقبتها لقتل الشعب السوري عن كثب، من نظام ما زالت تغضّ الطرف عن الفرص الممنوحة له من قبلها فيما يقف رأس النظام ممعناً في إهانتها، وهي تستحقّ بامتياز هذه الإهانة، فقد سبقت حكمة زهير بن أبي سُلمى إلى الإعلان في جاهلية العرب: «ومن يصنع المعروف في غير أهله-يكن حَمْدُهُ ذمّاً عليه ويندمِ»!!
استغرقت «معلّقة» السيّد الرئيس مئة دقيقة ودقيقة لتؤكد على خيار قتل الشعب السوري، الأمر الذي يجعلك وجهاً لوجه مع ما نقله المسؤول السابق في الـ CIA الأميركية روبرت بير في حديث صحافي مؤكداً دقّة وصفه لحال النظام المتهالك ـ رغم «برودة أعصاب» يجهد في إظهارها ـ قائلاً: «النظام راحل وسوريا تقريباً تحرّرت»، مواجهة الموت تحرّر الشعوب من الخوف منه…
وخطاب «المئة دقيقة ودقيقة» و»طرّاحة» العروبة، ومضارب العرب البائدة والعاربة والمستعربة والمعروبة، أو التي لا محلّ لها من الإعراب، «ذكّرتني» بـ «خطابات حسن نصر الله» التي تضجرك وأنت تتابعها خصوصاً عندما يطلّ على من يشاهده من شاشة من خلفها شاشة، ويبدأها بموجز «مهنجي» مستوحىً من أكاديميّة علميّة لا تمّت خطبه إليها بصلة، بالأمس شاهدنا نسخة مطابقة إنما من غير جلباب ولا عمامة، نسخة «مكزوزة» عن تهم العمالة والإرهاب والخيانة، لوهلة تظنّ أن المشهد الرئاسي سيتفوّه بجملة من نوع: «النظام باقٍ باقٍ باقٍ»!!
«ستأتي مرحلة المناطق الآمنة في سوريا بعد انتهاء الأغبياء في الجامعة العربية من قضية المراقبين، وتسيل المزيد من الدماء».. هذا ما قاله «روبرت بير»، ولم يتردّد في القول رداً على سؤال: «ألا يكفي مقتل اكثر من 5 آلاف سوري وفقاً لأرقام الامم المتحدة»، قال: «هذا هو العالم وطرقه وأساليبه»، وليس على الشعب السوري إلا أن ينتظر ويحصي قتلاه في انتظار انتهاء مفعول حبّة دواء «خسئتم» التي ألقمها رأس النظام بالأمس للعالم «مضادة لجراثيم الشعب السوري»بالقول قبيل الشوط الأخير: «لست أنا من يتخلى عن مسؤولياته»!!
«لن أترك منصبي الا بطلب من الشعب»، مع أن الشعب يطالبه بذلك منذ عشرة أشهر!! وكان مشهد الخطاب الأول لمعمّر القذافي يستعاد في ذاكرة من يشاهد «معلّقة السيد الرئيس»، فالقذافي في خطابه الأول انتابته جنّونة تألهٍ فقال: «أنا مجد لا يفرط فيه الشعب الليبي ولا الأمة العربية ولا الأمة الإسلامية ولا إفريقيا واميركا اللاتينية ولا كلّ شعوب العالم»، وفي خطاب القذافي الثالث ختم بأبيات شعرية «أناوية»: «أنا لا أخاف العواصف وهي تجتاح المدى- ولا من الطـّــيايير الـّتي ترمي دمارا أسْوَدَا-أنا صامدٌ في بيتي هنـا- في خيمتي- في المـُبتــَدى-أنا صاحب الحقّ اليقيــن أصارع منـه العـِــدَى-أنا هـُــنـَـا أنا هـُـنـَـا أنا هـُـنـَـا»، ثم تراجع القذافي ليقنع بالرسائل الصوتيّة مؤكداً: «أنا أسكن في قلوب الملايين»، فيما الملايين كانت تهتف طالبة له بالإعدام والموت، لكنه لم يسمع هتافها، فالسلطة تعمي الأبصار والقلوب، تصمّ الآذان، والفارق حتى الآن صفر واحد بين قتلى سوريا الخمسة آلاف، وقتلى ليبيا الخمسون ألفا» !!