تعيشُ منطقةُ الشرقِ الأوسطِ، مُذ كانت، على وقعِ صراعِ الآلهة. فبعدَ صراعاتِ آلهةِ الوثنيينَ، انتقلَ الصراعُ الى الأديانِ السماوية.
والحقيقةُ أنَّ الآلهةَ تتصارعُ بالوكالة، بواسطةِ أتباعِها من البشر. أو قلْ إن الناسَ يتصارعُون فيما بينَهم باسمِ الآلهة. هذا يُحمّلُ إلهَهُ برامجَه السياسية وخُططَه العسكرية وتطلعاتِه التوسعية، وذاك يردُّ إجرامَه الى إرادةِ اللهِ وثالثٌ يعزو قمعَه للحرياتِ الى مشيئةِ اللهِ، ورابعٌ يعطي لجَشَعِه المادي ونهمِ السلطةِ لديهِ مبرراً من عندِ اللهِ…
وصراعُ الآلهةِ ليسَ حكراً على الأديانِ فقط وإنما انتقلَ الى المللِ والشيعِ والبدعِ والطوائفِ والمذاهب… الى السنةِ والشيعةِ والدروزِ والعلويينَ والأكراد… والى الموارنةِ والكاثوليكِ والأرثوذكسِ والسريانِ والكلدانِ والآشوريينَ والأقباط… وكلٌ منها إذا مُسَّ أحد أتباعِهِ مُسَّ اللهُ بِهِ، وإذا انتصرَ انتصرَ اللهُ معَهُ.
كما أن صراعَ الآلهةِ ليس حَكراً على آلهةِ السماءِ دونَ سواهم، فبعضُ حكامِ المنطقةِ لشدةِ ما حَكموا وأطالوا حَسِبوا أنهم آلهةٌ وقاتلوا أبناءَ جنسِهم على هذا الأساسِ، وما عادوا بحاجة الى وكالةِ اللهِ الحصريةِ للتصرفِ باسمِهِ على الأرضِ وللتحكُّمِ بأرواحِ العبادِ وأرزاقِهم وحريَّاتِهم ومستقبلِهم… صاروا هم الآلهةُ أصحابَ الحلِّ والربطِ والأمرِ والنهي، صارت مشيئتُهم مشيئةُ اللهِ وكلامُهم كلامُ اللهِ وكفرُهم إيمانٌ قويمٌ وتنكيلُهم بالناسِ خلاصٌ للبشريةِ من أدران مرضيةٍ تعتريها…
هؤلاءِ الآلهةُ من علياءِ سماواتِهم العاجيةِ لم يَسمعوا أصواتَ شعوبِ الربيعِ العربيِّ تصرخُ مطالبةً بالحريةِ والمساواةِ، مطالبةً بالحقِ في تقريرِ المصيرِ بعيداً عن ألوهيَّة المتألِّهينَ، مطالبةً بحكمِ البشرِ العاديين. لم يَسمعوا صوتَ جيلِ الربيعِ العربيِّ يصرخُ لا تُحَوِّلوا ثورتَنَا الى صراعِ آلهةٍ جديدةٍ، فنحنُ نزِلْنا الى الشوارعِ مسيحيينَ ومسلمينَ ضدَّ الطغيانِ ولم ننزِلْ لإدانةِ إيمانِ كلٍّ منا. صراعُنا مع الجهْلِ، مع الطغيانِ، مع الحروبِ، مع القتلِ، مع الكبتِ، مع الحِرمانِ، وليسَ معَ اللهِ والمؤمنينَ بِهِ…
إنَّ خَيالَ اللهِ على الأرضِ وإرادتَهُ في السياسةِ، لا يمكنُ أنْ يكونا الا الديموقراطية والحريات العامة، وهي أمورلا تُفرضُ ولا تُحَدُّ، فكلُّ ما يرتضيهِ الشعبُ لنفسِهِ بحريةٍ وبظلِّ نظامٍ ديموقراطيٍّ صحيحٍ، يكونُ ظلاً للهِ على الأرضِ، وكلُّ ما عدا ذلكَ باطل.
اللهُ، لا يريدُ منا أن نقتُلَ أو نَتَقَاتَلَ باسمِهِ، اللهُ يريدُنا أن نعيشَ ونتركَ الآخرينَ يعيشونَ، اللهُ لا يريدُنا أن نَقهَرَ باسمِهِ بل أنْ نزرعَ الفرحَ، اللهُ لا يريدُنا أن نأتيَ المعاصيَ باسمِهِ وانما أن نحيا بحسَبِ تعاليمِهِ الداعيةِ الى المحبةِ والتسامحِ والغفران. أوقفوا زَجَّنا في مشاريعِكم المجنونةِ باسمِ اللهِ، فنحنُ لسنا بحاجةٍ اليكم لتقولوا لنا ما يُريدُهُ اللهُ منا، لأنَّهُ أرسلَ مِنْ لَدُنِهِ مَن أنبَأَنا بمشيئتِهِ، فارحلوا عنا ودَعونا نحيا بسلامٍ ووئام.