من الساحة الخضراء في طرابلس، إلى ساحة الأمويين في دمشق، تتوالى الاستعارات وتكتمل مقوّمات التشابه بين الحالتين السلطويتين الليبية والسورية.. عشيّة قلب الصفحة.
الخروج الجسدي إلى العلن والناس يدلّ في درجة أولى، إلى أنّ الحسابات المستورة، وآراء الحلقة الضيّقة والنخبة المنتقاة، والقراءات الدقيقة للمعطيات الموضوعة أمام صاحب السلطة، ضاقت إلى حدّ العدم.. ولم يعد في اليد إلاّ الحضور المباشر في الميدان وتصعيد وتيرة المواجهة ولغتها إلى أقصى حدودها وحروفها ومصطلحاتها.. ودائماً هناك ذلك التزاوج الفذّ بين تصعيد النبرة وتصاعد العجز. تعلية الصوت وخفوت القدرات. تكبير الكلام وتصاغر الخيارات. الدقّ على الصدور وكبر الهمّ فيها وفي الرؤوس التي فوقها. إطلاق النفير والصفير وانعدام القدرة على إيصال الصوت إلى حيث يجب. الحكي عن القبضات والحديد والفولاذ وتراجع إمكانات كل ذلك المنتوج على الحسم.
.. كأنّه الجدار الأخير، يستند إليه صاحب السلطة ليقول إنّه مثل ذلك الجدار. والأمر، على معانيه التي تضمر وتكشف تناقض حالة الساند مع حالة المستند، يحمل إشارات خطر غير مسبوقة.
هناك مَنْ يقول، إنّنا إزاء إعلان مدوٍّ عن فتح النار في كل اتجاه، بعد أن تيقّن صاحب السلطة في دمشق أنّ كل السبل سُدَّت في وجه أي حل يحفظ سلطته وترؤسه لها. وأنّ كل الطرق فُتحت باتجاه مراكمة ومضاعفة التصعيد ضدّه محلياً وإقليمياً ودولياً، وقولبة كل ذلك في إجراءات وقرارات محدّدة وقريبة!
وفي ذلك عودة إلى القياس الأوّل الذي حكم المواجهة بين السوريين والسلطة منذ درعا وأخواتها: تصعيد في مقابل تصعيد.. وجسور العودة التي نُسِفَتْ يُصار راهناً إلى التأكّد الميداني من أنّها لن تُبنى من جديد. ولا شيء على الاطلاق يدفع إلى التقليل من معاني ذلك ومن ترجماته. إذ إنّ عدم قدرة أدوات السلطة على الحسم لا يعني عدم قدراتها الهائلة على البطش والتدمير. وعجزها عن إيصال "صوتها" لا يعني عجزها عن إيصال مدافعها ودباباتها وأمنها إلى معظم أرجاء سوريا. وخفوت قدراتها في السياسة والإعلام والتبليغ والمنطق السويّ، لا يعني أبداً خفوت قدراتها على التنكيل بأحرار سوريا.
وفي المقابل، هناك ردّ فعل لكل فعل مهما اشتدّت وطأة الحملة السلطوية وارتفعت أعداد الضحايا.
على اي حال، وبالمناسبة، فإنّ تصاعد "حضور" العقيد الليبي المباشر والمتلفز عشيّة سقوطه، كانت سبقته بسنوات تسع، ظاهرة مماثلة في بغداد صدام حسين.. وكنت هناك آنذاك. وكانت تصلنا يومياً شرائط مصوّرة عن لقاءات "السيد الرئيس" مع وفود عسكرية وعشائرية وحزبية من مختلف محافظات العراق، تُوِّجت بالنزول المباشر إلى الشارع في منطقة الأعظمية.. وكان "القائد المنصور" في كل تلك اللقاءات يتحدّث بلغة تعبوية استثنائية.. والاستثناء في اللغة الصدّامية، هو استثناء حقيقي مختلف جذرياً عن قصّة القذافي وهلوساته.. لكنّه استثناء يعكس المعنى الأخير للمواجهة حينها، والتي سُمِّيت اختصاراً بـ "أمّ الحواسم".
في الحالتين العراقية والليبية، كانت كلفة قلب الصفحة أكبر من قدرة العقل السويّ على استيعابها.. الحالة السورية لا تبدو بعيدة عن تلك الأكلاف، مثلما لا يبدو الحضور المباشر، دليل قوّة، بقدر ما هو دليل اقتراب "لغة الحواسم"!