كتب حسين زلغوط في صحيفة "اللواء": تكتسب زيارة الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون اليوم إلى لبنان أهمية استثنائية على الرغم من الاصطفاف السياسي حول مضامينها. ففي حين يصر فريق 14 آذار على ان الزيارة تأتي لتذكير لبنان في التزاماته الدولية، فإنه يُغفل جدياً عن أن بان مدعو أيضاً إلى تذكّر ان هناك قرارات دولية تُعنى بلبنان وبسيادته ومنها القرار 425 الذي يُرغم اسرائيل على الانسحاب الكامل من مزارع شبعا وكفرشوبا، ووقف الانتهاكات الاسرائيلية للأجواء اللبنانية بحسب القرار 1701، وصولاً الى تحصين لبنان من اي تسوية لقضية اللاجئين الفلسطينيين على حسابه، بما يعني العودة إلى القرار 194 المتعلق بحق عودتهم إلى دولتهم فلسطين، والتي نص على قيامها القرار 181 ولم تزل اسرائيل حتى اليوم تعاند في تنفيذ هذه القرارات.
بطبيعة الحال الدفاع عن لبنان كجزء من الشرعية الدولية يقتضي إعادة الاعتبار لكل قراراتها دون استنسابية أو استثناءات، من هنا يتحتم ايضاً على فريق 8 آذار ان يعني جدياً ان الشرعية الدولية كانت في العام 1996 إبّان تفاهم نيسان ضامناً اساسياً للتمييز بين المقاومة والارهاب، ولذا تأتي هذه الزيارة ربما سانحة مهمة لفريقي 8 و14 آذار للتعالي عن الزواريب الضيقة وتكريس التلاقي حول القرارات التي تخدم المصلحة الوطنية العليا، وقد يكون مفيدا في هذا السياق ما ترجحه مصادر موثوقة من ان الامين العام للامم المتحدة سوف يسمع من رئيس الجمهورية كلاماً حاسماً لجهة ان خيار المقاومة حق للبنان، وان تنفيذ القرار 1701 يجب ان ينسحب على الجانب الاسرائيلي بالكامل.
اما ما يثار بشأن استحقاق تجديد البروتوكول الخاص بالمحكمة الدولية فإنه على الرغم من الاهتمام الدولي فيها فإن الأجندة الحالية للامم المتحدة باتت أوسع في رهاناتها وخصوصا على المتغيرات التي يشهدها العالم العربي، وإلا ما معنى ان يفتتح بان وقبل مغادرته الاحد المؤتمر الخاص بالربيع العربي، وتكتسب انطلاقته في بيروت رمزية اساسية.
في هذا السياق، تؤكد مصادر لبنانية مطلعة على ان الرؤساء الثلاثة الذين سيلتقيهم الامين العام للامم المتحدة سيصرون على رفض تكريس وضعية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان كمواطنين رعايا بالاستناد إلى اي اعتراف مستقبلي لدولة فلسطين، وسيكون هذا الكلام أيضاً متقاطعاً مع ما ستعلنه المعارضة لبان خلال زيارته وفدها له برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة.
إلى جانب ذلك من المؤكد ان الاعتداء الاسرائيلي على المناطق النفطية في البحر سيشكل مادة نقاشية دسمة، وقد يطلب فيها التحكيم للامم المتحدة وحتى طلب حماية بحرية «اليونيفل» لهذه المناطق. إذ ان النزاع الآتي على ما يبدو بين لبنان واسرائيل سيضاف اليه عدا قضية المياه التي تسرقها اسرائيل من لبنان واستمرار احتلالها لاراضي لبنانية ملف النفط والذي تبدو فيه قبرص اقرب إلى مسايرة الجانب الاسرائيلي أكثر منه الجانب اللبناني.
ولا يغيبنَّ عن بالنا أن بان بحسب مصادر دبلوماسية مطلعة سيعيد التذكير بضرورة تطبيق لبنان لمندرجات القرار 1701 كاملة، وفي مقدمها ترسيم الحدود ونزع سلاح ما يعتبره ميليشيات لبنانية وغير لبنانية، كما ضبط الحدود الشمالية بما يحمي اللبنانيين من اي اختراقات قد تضر بأمنهم واستقرارهم في ظل ما يجري في سوريا.
بطبيعة الحال لن يستثني المسؤول الأممي الطلب من لبنان الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في ظل محاولات زعزعة يعتبرها انها تأتي انطلاقاً من أجندات امنية إقليمية ودولية مشجعة، وهو بحسب المصادر سيشجع رئيس الجمهورية على إعادة اطلاق طاولة الحوار الوطني انما على قاعدة مهلة زمنية محدودة تفضي في نهايتها إلى إنجاز تصور متكامل للاستراتيجية الدفاعية.
فهل سيستطيع لبنان الرسمي الاستثمار في هذه الزيارة لمصلحة كل اللبنانيين، ام ان التجاذبات السياسية سوف تغرق هذه الزيارة بسجالات لا تمت بصلة إلى المصلحة اللبنانية العليا، بقدر ما ترتبط بتحسين مواقع النفوذ وتزخيم الارتباطات الاقليمية والدولية لبعض الافرقاء اللبنانيين؟
أما في ما يتعلق في النقاش الحاصل حول دور لبنان في الربيع العربي والذي سيكون محوراً اساسياً في المؤتمر الذي سيرعاه بان في بيروت، فيشير مطلعون على أجواء هذا المؤتمر انه سيعيد إلى لبنان مكانته في اعادة استنهاض عجلة الديمقراطية التوافقية في الانظمة الآتية إلى المنطقة وخصوصا بعد التأكيد على هواجس يعيشها الاقليات مما أفرزته الانتخابات النيابية في كل من مصر وتونس، بالاضافة إلى الاهتزازات الكبرى في سوريا والتي يبدو ان لا أفق حاسمة لها حتى الآن، بفعل توازن القوى الكبير بين داعمي النظام ومعارضيه على حدٍ سواء، واختيار بيروت لاستضافة المؤتمر لم يأت عبثياً او وليد لحظته، بل هو تأكيد من المجتمع الدولي انه على الرغم من الاشكالات الكثيرة التي يعانيها الجسم اللبناني فإن لبنان ما زال يُعبر عن ذاته كنموذج للحوار على المستوى العالمي كما يشكل دينامية استنهاض لمفهوم العروبة الحرة على قاعدة احترام حقوق الانسان والتنمية والعدالة الاجتماعية، وقد يكون اسهم في تكريس هذه الصورة الابداع اللبناني وقدرة اللبنانيين على التكيف مع الازمات الكارثية التي مرّت على بلدهم ولم تزل، كما ترسيخ مبادراتهم الجريئة قدرة مستدامة على إنجاز البناء وتغليب منطق التسوية ولو بعد إنتحار.
كل هذا لا يبدو ان الاطراف السياسية في لبنان لا تعي فيه اهمية اعلاء الصوت امام الممثل الاممي للدفع باتجاه تكريس بلدهم نموذجاً للحوار بين الاديان والحضارات وذلك بسبب العقم الخطابي السياسي المعتمد في لبنان، كما ترهل الممارسة على مستوى القناعة بقيام الدولة والانسياق بدل ذلك إلى مهاترات وتشنجات وصدامات حزبية وطائفية لا تمت بصلة إلى قماشات رجالات الدولة اللبنانيين الأوائل.
فهل يستطيع اللبنانيون بقياداتهم الرسمية ان يجيبوا الامين العام للامم المتحدة عما يريدونه للبنان خلال العشر سنوات المقبلة وما هي رؤيتهم لدوره في المنطقة، وكيف ينظر إلى دور الامم المتحدة في الدفاع عن قضايا المظلومين وفي مقدمهم الشعب الفلسطيني؟ والى أي مدى أعدّ لبنان ملفاته على المستوى الدبلوماسي القانوني في قضية اللاجئين الفلسطينيين كما في قضية النفط لمقارعة العدو الاسرائيلي من البوابة الدولية؟ وما هي رؤيته للبنان للتعاون الواجب ان يقوم بين الامم المتحدة وجامعة الدول العربية على احترام خيارات الشعوب دون التدخل في هذه الخيارات؟
أسئلة كثيرة وكثيرة قد لا نجد لبنان مستعداً للاجابة عنها وقد يكون مخيفاً بل معيباً ان تمر هذه الزيارة مرور الكرام ويكتفي فيها بالتصفيق لخطابات هنا وهناك، وتدبيج الولائم للمسؤول الاممي واقفال الطرقات المواكبة، وحصر لقاءاته بعدد من المسؤولين.
ألم يستفق هؤلاء على ان الربيع العربي هو ربيع الشباب ولربما كان من الاجدى ان تنظم لبان كي مون لقاءات مع المواطنين اللبنانيين وتحديدا الشباب يسمعوه صوتهم وعتبهم على قياداتهم من التدمير المنهجي لبلدهم والذي بدأ منذ أربعين عاما ويبدو انه لن ينتهي قريباً.