كتبت ريتا صفير في صحيفة "النهار": لم تعد المراجعة الاستراتيجية حكرا على القوة الدولية في الجنوب. عمليا، كشف اطلاق مدونة قواعد سلوك عناصر قوى الامن الداخلي في السرايا امس ان هذه القوى ربما كانت السباقة في الشروع في هذه الخطوة بدعم تقني بريطاني واممي من خلال مكتب المفوض السامي لحقوق الانسان منذ عام 2008. وهي مراجعة تضمنت في ما تضمنته تحديد معايير سلوك مهنية واخلاقية لعناصر الجهاز عن استخدام القوة وصون حقوق المحتجزين وتعزيز قيم التجرد والمساءلة.
قد يعتقد اللبنانيون لوهلة انهم يعيشون ربما واقعا فريدا سمته التعايش بين الاسلحة الشرعية وغير الشرعية على انواعها. الا ان الغوص في تفاصيل الاستراتيجية التي تسعى القوى الامنية الى رسمها على المدى الطويل، يكشف النقاب عن مجموعة امثلة دولية يجدر التوقف عندها في هذا الشأن. قد يكون اقربها، اوروبيا، تجربة الجيش الجمهوري الايرلندي IRA الذي انخرط في العمل السياسي بعد اعوام من الصراع العسكري.
منذ فترة، بدأ توزيع وثيقة السلوك الجديدة على 38 الف عنصر امني. وهي زاوجت بين المعايير التي تنص عليها المعاهدات الدولية والقوانين اللبنانية كما يقول الخبير الاستشاري البريطاني في مؤسسة "نايكو" في بيروت جوناثان ماكلفور لـ"النهار"، على ان يندرج هدفها الاساسي ضمن مشروع اوسع اطاره "تعزيز الاستقرار السياسي من أجل أن يكون جسر عبور إلى الاستقرار الأمني من خلال الحوار" وفقا لما اعلنه رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي في السرايا. وغني عن التذكير بأن دعم الاستقرار اللبناني ومندرجاته مثل احد عناوين برنامج التعاون المشترك الذي قدمه السفير البريطاني طوم فليتشر الى المسؤولين اللبنانيين، بعيد تسلّمه مهماته، كما اندرج مشروع دعم القوى الامنية في صلب محادثات ميقاتي ونظيره البريطاني ديفيد كاميرون في لندن الشهر الماضي.
لبنانيا، تبرز معضلة اساسية، قوامها تدني ثقة المواطن بالشرطة. وقد دلل على ذلك تشخيص دقيق نجم عن مجموعة دراسات واستطلاعات اجرتها شركة مستقلة اسندت اليها المهمة. وفي بلورة لهذه الصورة، يشير ماكلفور الى اهمية احترام عناصر جوهرية في التعامل مع المواطنين، في مقدمها حقوق الانسان ومعايير النزاهة والصدق، وحسن معاملة السجناء، اضافة الى درس ظروف استخدام القوة ولا سيما منها القاتلة والتي يجب حصرها في حالات الضرورة القصوى .
بالمنطق الغربي، لا يبدو اطلاق النار الخيار الوحيد لتوقيف مخالف. ثمة درس متواصل لتحديد خيارات "تبطل مفعول" هؤلاء الاشخاص مع ابقائهم على قيد الحياة. وكلها معطيات تؤشر لاهمية التخطيط لاي عملية امنية بدقة متناهية.
وفي وقت تبدو القوى المسلحة اللبنانية عاجزة عن بسط سيطرتها كاملة على الارض، ثمة سؤال يطرح نفسه: كيف يمكن تطبيق مدونة السلوك هذه على عناصر واستثناء اخرى ؟
يتحدث ماكلفور عن مسؤولية خاصة تقع على الدولة في هذا الاطار، "وبقدر ما تظهر فيها اسلحة غير شرعية، بقدر ما تتزايد مسؤولية الدولة في اعتماد قواعد سلوك بطريقة مبررة وقابلة للمساءلة. انه السبيل الوحيد الذي يمكن عبره تعزيز ثقة المواطن بالشرطة."
من المراحل التي شملتها المراجعة الاستراتيجية بقيادة فريق لبناني، النظر الى تنظيم قوى الامن الداخلي كجهاز ومحاولة معرفة الاهداف التي يسعى الى بلوغها، علما ان الملاحظات البارزة في هذا الاطار تمثلت في مضاعفة عديد هذه القوى منذ 2005 مع الابقاء على اجراءات ادارية لا تتناسب وهذا التحول. وثمة تركيز على اعتبار مدونة قواعد السلوك "البداية" في مسار مترابط يتضمن ايجاد وسيلة سهلة لتلقي شكاوى الناس عبر ايجاد جهاز مخصص لذلك وتعزيز المحاسبة ضمن الجهاز وصولا الى مقاربة متكاملة تشمل البلديات والشرطة والسكان: "المطلوب عقد بين الشعب والشرطة، بعيدا من الحساسيات الطائفية. ففي ايرلندا تم تطويع الكاثوليك والبروتستانت وطبقت قواعد مشتركة لا علاقة لها بالمذاهب.
نتطلع الى تحول ثقافي كبير على هذا المستوى"، يعلق ماكلفور. وعن المشروع، كتب فليتشر على "تويتر" انه "نقطة اساسية على طريق ارساء رؤية جوهرها الشرطة خدمة وليس قوة".