"ألا أيها الظالم المستبدّ
حبيب الظلام عدوّ الحياة"
(أبو القاسم الشابي)
"إنكار الواقع" بحسب تفسير العالم النفساني الكبير سيغموند فرويد، هو نوع من وسائل الدفاع النفسية عندما يتعرض الفرد لظروف شديدة الحرج يعجز عن تقبلها وبالتالي محاولة حلها بالمنطق، فيلجأ الى إنكارها جملة وتفصيلاً على الرغم من أن وقائعها ثابتة. ويشمل هذا الأمر ثلاثة أنواع من الحالات: الأولى هي النكران الكامل للواقع والثانية التقليل من أهمية الأمور والثالثة الاعتراف بالوقائع مع إنكار المسؤولية الشخصية عنها.
وتترافق عادة حالات الإنكار مع نوبات غضب حادة لا تتناسب مع الموقف، وحالة من الاكتئاب بسبب استمرار الحالة المسببة للإنكار، وتصرفات صبيانية تعبيراً عن الحرج، وقد تظهر عوارض بارتفاع ضغط الدم، كما أن البعض قد يلجأ الى الإدمان على الكحول أو المخدرات أو يبالغ في المقامرة في محاولة لعلاج الضغط النفسي.
استعمل الرئيس السوري في خطابه الأخير الأنواع الثلاثة من النكران، فهو أنكر الحالة التي تعيش فيها سوريا منذ عشرة أشهر من خلال القول انه لا وجود لحالة انقسام تستدعي حكومة وحدة وطنية، يعني انه حتى الآن ينكر سماعه للأصوات المنادية بسقوطه ومحاكمته وحتى إعدامه. والحالة الثانية من الإنكار تكمن في تخفيفه من حجم المشكلة والتأكيد، أنه ممسك بزمام الأمور وأنه قادر على السيطرة عليها من خلال سلة من الإصلاحات التي تؤكد استمراره في قيادة سوريا الى الأبد، مع أن الشعب تجاوز هذه الأمور ليؤكد أن الحل الوحيد يكمن في رحيله. والحالة الثالثة هي اعترافه الضمني بعمق الأزمة ولكنه نسبها في مجملها الى عنصر المؤامرة التي تحيكها الدول الغربية وبعض الدول "المستعربة" اضافة الى "ستين وسيلة إعلامية مكرسة الآن ضد سوريا، وكذلك عشرات مواقع الانترنت والصحف".
في المجمل، إن هذا الخطاب المطوّل، والذي قوطع كالعادة بالتصفيق الحماسي المبرمج للحضور، لم يأتِ بأي جديد قد يشكل بارقة أمل للشعب السوري، وهو بمحتواه ولهجته المطمئنة لم يكن مختلفاً عن خطاب أي زعيم من زعماء الدول التي أصيبت بداء الحكم الشمولي الملوث بالفساد والارهاب. كما الاطلالات الجماهيرية التي سبقه اليها الكثيرون من هؤلاء وهم على حافة الهاوية ليوحوا لأنفسهم وللعالم بأنهم ما زالوا يتمتعون بشرعية شعبية.
لقد أثبتت الوقائع أن هذا النظام غير قابل للإصلاح في الأساس لأن أي إصلاح جدي سيعني حتماً تداول السلطة، وهذا يعني بالتالي زوال شعار زعيم الأمة الباقي الى الأبد. بناء على ذلك، إن كل المراهنات الدولية على فرص ولجان ومبادرات، ليست إلا مساحات من الوقت يستفيد منها النظام لقتل المزيد من الشعب السوري، آملاً في أن يتمكن من ارهاب الباقين فيستسلمون ومن ثم يعود ليحكم لفترة من الزمن قبل الاستفاقة التالية للشعب السوري.
إن كل الحلول المقترحة والمأمولة حتى الآن والمبنية على بقاء بشار الأسد في السلطة، أصبحت طروحاً، من الماضي، والواضح هو أنه لا حل إلا برحيله وترك الخيارات للمواطنين لتقرير مصيرهم.
الخطير في خطابه هو تأكيده الاستمرار في الحل الأمني، والذي يعني عملياً المزيد من سفك الدماء، أو ربما سيناريوهات مشابهة لما حصل في السابق في مدينة حماه وعلى نطاق أوسع. كل ذلك في ظل معلومات عن أن وحدات من الجيش هناك وضعت بين يدي بشار تقريراً بقدرتها على حسم الوضع في سوريا في فترة قصيرة من الزمن في حال سمح لها باستخدام الوسائل العسكرية كافة مع احتمال سقوط عشرات الآلاف من الضحايا. إن العالم اليوم أمام مشروع إبادة جماعية قد يلجأ اليها حاكم سوريا في حال استمرت الميوعة العربية والصبر الدولي عليه. الخوف الجدي اليوم هو أن يكون المجتمع الدولي ينتظر حصول هذه المأساة ليبرر تدخله الحاسم كما حصل في الكثير من أنحاء العالم. المطلوب اليوم هو أن يتحرك العالم بشكل استباقي ليمنع المجزرة قبل حصولها.
