Site icon Lebanese Forces Official Website

لماذا يحاور «حزب الله» ثنائيّاً ويرفض الحوار وطنيّاً؟

جاء تحرّك «حزب الله» باتجاه «الحزب التقدّمي الاشتراكي» وبكركي مفاجئاً، خصوصاً بعد ما تردّد عن أنّ مواقف النائب وليد جنبلاط الداعمة بالمطلق للثورة السوريّة أعادت العلاقة بين الطرفين إلى نقطة الصفر، وأنّ مواقف البطريرك بشارة الراعي الحازمة بحصريّة السلاح بيد الدولة فرملت قنوات التواصل بينهما أيضاً.
 
من الثابت أنّ الحزب يوسّع مروحته السياسية، ويحرص على عدم القطع مع القوى التي هي خارج 14 آذار حتى لو كان موقفها من الأزمة السوريّة متقدّما على هذه القوى. وهذه الليونة المستجدّة لا يمكن تفسيرها أو وضعها خارج سياق التطوّرات السوريّة وإدراك الحزب الضمني أنّ اتجاه هذه التطوّرات بات محسوما لجهة سقوط النظام عاجلا أم آجلا.

فالعشاء الذي جمع مسؤولين في "التقدّمي" و"حزب الله" خلُص إلى التوافق على "حماية لبنان من تأثيرات ما يجري في المنطقة، مع استمرار التباين في قراءة المشهد السوري"، هذه الإشارة الأخيرة التي يحرص الحزب على إعطائها تبريرا لخطوته حيال النظام السوري، خصوصا بعد أن هدم جنبلاط كلّ الجسور مع هذا النظام.

ولكن ما يستحقّ التوقّف عنده هو حرص الحزب، على ما يعلن ولغاية هذه الساعة، على "حماية لبنان من تأثيرات المنطقة"، وبالتالي في حال صحّة هذا الكلام، يعني أنّ الحزب ليس بوارد أن يكون "أداة" للنظام السوري في لبنان، كما أنه ليس بوارد نقل الأزمة السوريّة إلى لبنان، وهذا بحدّ ذاته أمر إيجابي مع وقف التنفيذ.

وقبل الدخول في مآل هذا الحوار وأبعاده ومن المستفيد منه، لا بدّ من التوقّف أمام توقيت خطوتي "حزب الله" باتجاه الاشتراكي وبكركي، إذ جاءتا قبل وصول أمين عام الأمم المتحدة إلى لبنان، وهو توقيت مدروس ومقصود، وذلك لإعطاء إشارة لبان كي مون أنّ الحزب لم يقطع الحوار الذي كان وراء تجميد الأمم المتحدة للقرار 1559 بانتظار ما ستؤول إليه المساعي الحوارية الداخلية، وبالتالي هو حريص، بخلاف ما حاول إظهاره بأنّه ضدّ الزيارة، على إظهار نفسه بأنّه متعاون على جملة مستويات: الحوار في موضوع الـ1559، الاستقرار جنوبي الليطاني في موضوع الـ1701، حماية لبنان من تأثيرات المنطقة في موضوع الـ1680، تمرير التمويل من دون إسقاط الحكومة في موضوع الـ1757.

كما أنّ "حزب الله" سارع إلى التقاط الإشارة الدولية التي عبّر عنها مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان في زيارته الأخيرة لبيروت بأنّ الأولوية هي للاستقرار في لبنان وحثّ الحكومة على مواصلة سياسة "النأي" التي تنتهجها، وأنّه لا بأس من حوار مع الحزب بغية تقطيع المرحلة الانتقالية بهدوء وسلاسة، وهذا ما دفع الحزب إلى ردّ التحيّة عبر استقبال الرئيس نبيه برّي للدبلوماسي الأميركي.

فالأولويّة الدولية التي قرأها الحزب جيّداً ليست "الآن" لمسألة سلاحه، إنّما لتجنيب لبنان تداعيات الأزمة السوريّة، هذه التداعيات التي تقلق "الإدارة الأميركية من أن تؤدّي إلى المساهمة في عدم الاستقرار في لبنان"، وفق بيان السفارة الأميركية بعد لقاء مورا كونيللي مع الرئيس ميقاتي. وهذا بالتحديد ما دفع الحزب إلى التحرّك مستفيدا من هذا المناخ الدولي لاستنساخ سيناريو العام 2005 في الانتقال إلى المرحلة الجديدة بقواعد اللعبة نفسها، ولكن معوّلاً هذه المرة على جنبلاط والراعي في آن معا.

ولعلّ أفضل عنوان ينطبق على السياسة التي ينتهجها الحزب في هذه المرحلة هو "تقطيع الوقت" لترقب مآل التطوّرات على خطّ الأزمة السوريّة وانتظار ظروف ومعطيات سياسية أفضل. ولذلك، أولويّته تكمن في إعطاء إشارات حوارية شكلية لا الدخول في حوارات جدّية تقود إلى تسليم سلاحه. وهذا ما يفسّر لقاءاته مع الاشتراكي وبكركي واستبعاده العودة إلى هيئة الحوار الوطني إلّا بشروطه، أي بعدم طرح قضية سلاحه، وهذا ما لا يمكن أن توافق عليه قوى 14 آذار، لأنّ مكمن الأزمة الوطنية اللبنانية عائد إلى هذا السلاح.

هذا في الشكل، أمّا في الجوهر فلا يمكن تصنيف هذه اللقاءات الحوارية إلّا في خانة "الحوار للحوار"، لأنّ الحوار الجاد والهادف له آليّاته وأطره وأبرزها:

أوّلاً، قيادة رئيس الجمهورية لهذا الحوار باعتباره "رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن ويسهر على احترام الدستور…".

ثانياً، الحوار على أساس نصوص مرجعية واضحة: الدستور، القرارات الدولية…

ثالثاً، الحوار من أجل تعزيز المشترك بين اللبنانيين، أي الدولة، لا تكريس "المنطق" الفئوي الدويلتي.

رابعاً، الحوار من أجل عودة الحياة السياسية إلى طبيعتها، بعيدا عن مشاريع الهيمنة والغلبة، والتوافق على البديهيات (لبنان أوّلاً والدولة أوّلاً) التي من دونها لا قيام لهذا الوطن.

يبقى أنّ التقاطع مع الحزب على أنّ الاستقرار أفضل من عدمه، شرط ألّا يتحوّل هذا الاستقرار إلى مادة مقايضة مردودة مع الشكر، ومن ثم مواصلة الربط معه في قضية سلاحه بانتظار الظروف المؤاتية لمعالجة هذه المعضلة غير القابلة للحلّ راهنا، بمعنى أنّ الحزب لن يسلّم سلاحه وينخرط في مشروع الدولة، قبل أن تُعدم خياراته الخارجية من سوريا إلى إيران.

Exit mobile version