من فمهم يدانون

بكلّ اعتزاز وثقة بالنفس، أطلّ واحد من الذين يدّعون أنّهم لبنانيّون، من على أحدى الشاشات المدجّجة بالأنتصارات الوهميّة، وقال بالحرف ما يأتي: "هؤلاء الذين في السلطة اليوم أتى بهم السوريّون، فأين ردّ الجميل؟ أولئك الأعلاميّون الذين قبضوا من سوريا، لم يكتبوا حرفا دفاعا عنها". وختم الحلقة بالأسلوب الأخلاقي الراقي التالي: "الذي سيجيب سيرتي، سأنشر أمّه وأخته وامرأته….".

لم أكن لأدنّي مستوى المواضيع التي أتناولها في مقالاتي الى هذا الدّرك، لولا هذا التفلّت الفاضح من ضوابط القيم، وهذا التعدّي الممقوت على أحساس الناس، ولولا تغاضي الرقابة الرسميّة والذاتيّة عن أناس مبرمجين وقحين لا يتورّعون عن استخدام النّابي من الألفاظ والعبارات، والكمّ من الشتائم، يلوّثون بها المسامع وسمعة لبنان والأعلام فيه على وجه الخصوص.

نحن مع الحريّة في التعبير عن الرأي، التزاما منّا بمقوّمات الديمقراطيّة، وهذا حقّ ترعاه القوانين ولسنا لنرضى انتهاكا له. وبالرغم من أنّ حريّة الرأي هي قيمة حضارية تقاس بها مدنيّة الشعوب،غير أنّ الحريّة ينبغي أن تكون مصوّنة بالخلق الذي يضبطها ولا يقيّدها. هذا الخلق الذي ينهى عن التطاول على المشاعر، وعن الأفتراءات التي تنال من المقدّسات الشخصيّة والثوابت الأنسانيّة الرّاقية. أوليس الصمت لدى الكثيرين أرحم من نطقهم بالموبقات، على ما قاله الأمام الشافعي:
" أذا أراد الواحد أن يتكلّم، فليفكّر. فإن ظهر عليه أن لا ضرر من كلامه، فعل. وإن تبيّن له فيه ضرر، أمسك" (أي امتنع).

أمّا الوجه السياسي للكلام المباح، فيعترف بوضوح لا يقبل الردّ بتدخّل مشين في الشأن اللبناني من جانب الكيان الشقيق، مستتبع بتبعيّة غير مشرّفة ومدانة، ينبغي أن يتّهم مرتكبوها بالخيانة العظمى وأن تتمّ أدانتهم على أنّهم عملاء. هذا لو كنّا فعلا في بلد يتمتّع بالكرامة الوطنيّة التي يظهر أنّها لا تنبت في أرضنا.

هؤلاء "التبعيّون" الذين يستقوون بالخارج، يمارسون باحتراف لعبة أجراميّة مكشوفة هي مؤامرة أعطاء التدخّل المرفوض غطاء رسميا في الكثير من الأحيان. والحكم الشقيق الذي عجز عن نسخ نظامه عندنا، ما زال يعمل بأدوات الداخل على تقويض الكيان وجعل الوطن ساحة مستباحة له يعمل فيها تفجيرا، وورقة يرفعها للضغط على مرجعيّات النفوذ الدوليّة بهدف المساومة وقبض الأثمان والحفاظ على ما تبقّى منه. من هنا نرى أنّ السلطة الشقيقة وظّفت كلّ طاقات عملائها للترويج لمؤامرة تعدّ في لبنان، وتنطلق من لبنان لزرع الفتنة في الداخل السوري، تحت أيّ مسمّى وليس أخره "تنظيم القاعدة". ومن شأن هذا الأعلان أن يشوّه وجه لبنان بالصّباغ الأرهابي، فينكفئ عنّا الأهتمام الدّولي ويخمد وهج المساعدات، ويدرج أسم لبنان في قائمة الدول التي يحظّر التعامل معها.

إن مفهوم "العدو" يشير في غالب الأحيان الى وجود حالة حرب وعمليّات عسكريّة بين دولتين، غير أنّه يحدّد أيضا أيّ طرف يهدّد نظام بلد ما، أيّا يكن عنوان هذا الطرف. وبعد، ألم يحن لقاء حبال المشانق مع البلديّين الذين يروّجون لهذا الطرف؟
 

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل