استبعاد غربي لفرض سيطرة "حزب الله"
المخاوف على لبنان واقعية أم مضخّمة؟
ما ان تهدأ المخاوف من احتمال تشظي لبنان بالازمة الداخلية السورية حتى تبرز مواقف تعيد التذكير بوجود مخاوف حقيقية في هذا الاطار وتحض اللبنانيين على عدم تجاهل استمرار هذا الاحتمال قائما مهما تنوعت طبيعة المد والجزر في الوضع السوري منذ عشرة اشهر. والى الموقف الذي وزعته سفيرة الولايات المتحدة مورا كونيللي على اثر لقائها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي واعربت فيه عن قلق بلادها "من ان تؤدي التطورات في سوريا الى المساهمة في عدم الاستقرار في لبنان"، برز موقفان لافتان احدهما لوزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو الذي اعرب عن مخاوف بلاده من امتدادات لمواجهة سنية شيعية من العراق وسوريا الى لبنان، وآخر للامين العام للجامعة العربية نبيل العربي حذر فيه من ان اي مشاكل في سوريا ستكون لها تداعيات على دول الجوار، علما ان هذا الموقف ليس جديدا ويسري على نطاق واسع منذ انطلاق الانتفاضة في سوريا في آذار الماضي. وهذه المواقف تأتي بمثابة جرعة تذكيرية للبنان حول الانعكاسات المحتملة للوضع السوري على رغم مخاوف قائمة ولا يمكن تبديدها حتى اشعار آخر لكن الكلام عليها يختفي بعض الوقت ثم يعود الى الواجهة.
وتنفي مصادر ديبلوماسية غربية في بيروت وجود اعتقاد لديها ان احتمال سقوط النظام السوري قد يستبقه "حزب الله" مثلا بالسعي الى وضع اليد وفرض سيطرته على لبنان كما فعل في 7 ايار بالنسبة الى بيروت، نظرا الى المخاوف من تأثيرات وانعكاسات بالغة السلبية عليه نتيجة انهيار النظام السوري في حال حصوله. وتقول هذه المصادر لسائليها في معرض استكشاف المخاوف المحيطة بلبنان نتيجة التطورات السورية، ان هذا الخيار في حال وروده، اي وضع الحزب يده في ضوء تواتر نقل المزيد من الاسلحة من الاراضي السورية الى لبنان نتيجة تدهور الاوضاع الداخلية السورية، ليس قابلا للحياة. وتضيف انه ربما يجب العودة قليلا الى الوراء لتلمس مدى الاثر الذي احدثته مساهمة ايران وسوريا في ازاحة الطرف العربي المتمثل في المملكة العربية السعودية من لبنان من خلال اطاحة الحكومة السابقة. اذ لو ان الانتفاضة السورية قامت بفعل الانتفاضات التي انطلقت في الدول العربية، لأمكن القول ان النظام السوري ما كان ليرتاح في ضوء معادلة العودة الى استعادة لبنان ورهنه من ضمن معادلة مناقضة للمعادلة العربية التي لم يوافق عليها العرب بالنسبة الى سوريا نفسها، فكيف بأخذ لبنان اليها ايضا. وقد ادى ذلك الى توتر كبير في العلاقات بين الدول العربية الخليجية منها بنوع خاص مع سوريا، كما هي الحال بالنسبة الى تركيا على خلفية ما حصل ومحاولة رهن لبنان بهذه المعادلة. وقد كانت المواقف المبدئية من الحكومة الحالية على الصعيدين الغربي والعربي الدليل الابرز ايضا على صعوبة الاعتقاد بامكان نجاح اي احتمالات مماثلة.
والمفارقة ان المخاوف من تداعيات الوضع في سوريا على لبنان تسير في موازاة اقتناع افرقاء لبنانيين كثر في الاكثرية وفي المعارضة، ان الامور لا يمكن ان تخرج عن السيطرة نحو عدم الاستقرار نتيجة اعتبارات عدة على رغم استمرار التحذير العلني الذي يبديه بعض الافرقاء والمسؤولين بين وقت وآخر واجتماعات على غرار تلك التي يعقدها الحزب التقدمي مع هذا الطرف او ذاك في المعارضة او الموالاة، والتي تصب في هذا الاطار. فهناك من لا يزال يعتقد، وخصوصا بالاستناد الى الخطاب الاخير للرئيس السوري الذي اعلن فيه عزمه على المواجهة الامنية، وبالاستناد الى الاتهامات السورية لجهات في لبنان بتهريب السلاح الى سوريا، ان دمشق تعمد الى تصدير ازمتها الى لبنان على سبيل حرف الانظار والتهديد باشعال المنطقة، سبيلا لوقف اي اجراءات جدية ضدها تساهم في انهاء النظام. وهذا الاعتقاد يستمر قائما في الداخل والخارج، على رغم اقتناع واسع في المقابل بأن احدا من الافرقاء في لبنان وفي مقدمهم "حزب الله" لن يكون من مصلحته الانجرار الى حرب داخلية تكون امتدادا للاحداث السورية، على رغم عدم امكان تجاهل حصول حوادث تساهم في زعزعة الاستقرار في لبنان، ان من حيث طبيعتها او وتيرتها. وهناك، وفق ما يعتقد بعض السياسيين، محاولة اقليمية لتغطية العجز عن التحرك والمبادرة في الموضوع السوري بابداء المخاوف من تبعات ما يحصل. وهذا الامر ينسحب بحسب هؤلاء على الجانب التركي الذي لا يخفي انزعاجه من الوضع في سوريا، من دون امتلاكه القدرة على التحرك لمواجهته حتى الان مما يؤدي الى تبريرات تساهم في تكبير حجم المخاوف من مترتبات للوضع السوري على المنطقة، ومنها لبنان، من دون ان يعني ذلك تجاهل هذه التداعيات او اهمال احتمالاتها. والزيارات الديبلوماسية للبنان حتى الآن، تتوخى دعمه في تحييد نفسه والنأي اذا امكن عن انعكاسات الوضع السوري حماية له ولاستقراره وعدم التفريط بهما تحت اي طائل، باعتبار ان التذكير بضرورة الحذر من الانزلاقات واجب ترى الدول الغربية اهمية في التشديد عليها في هذه المرحلة كما في بداية الازمة السورية.