تحفَل الساحة المحلّية بالاستحقاقات الداهمة، خصوصاً أنّ الأوضاع الإقليميّة المستجدّة، ولا سيّما السورية منها، باتت تفرض نفسها على الملفّ اللبناني، في حين لا تزال الملفّات المارونيّة في إطار إعادة صياغة الحراك السياسي الماروني، في ضوء المتغيّرات التي قام بها البطريرك مار بشارة بطرس الراعي.
كان البارز في سياق الحراك الماروني ـ الماروني الزيارات اللافتة للصرح البطريركي من قِبل أقطاب 8 و 14 آذار، بحيث وبعدَ زيارتَي الوزير جبران باسيل إلى الصرح البطريركي موفداً من العماد ميشال عون، جاءت الزيارة الليليّة لرئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع لافتةً في توقيتها ومضمونها، وحيث عُلم من مصادر مسيحيّة مطَّلعة أنّ زيارتَي الوزير باسيل مرتبطتان بملفّ التعيينات، في حين أنّ زيارة الدكتور جعجع كانت لوضع البطريرك الماروني في صورة الأوضاع السياسيّة ونتائج زيارته إلى المملكة العربية السعودية وعرض الوضع المسيحي عموما.
وفي سياق متّصل وبهدوء، جاء التجديد لرئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن لولاية جديدة انطلاقاً من رغبة المعنيّين بعدم إضافة ملفّ انقساميّ جديد إلى الملفّات الحسّاسة المطروحة على الساحة المسيحيّة خصوصا. وبحسب مطَّلعين على أوضاع المجلس العام الماروني فإنّ بكركي ساهمت بشكل أساسيّ في تمرير هذا التجديد بعيداً من البازار المفتوح في كلّ الملفّات التي تعني الطائفة منذ بداية الحوار الماروني ـ الماروني في بكركي. وكشف هؤلاء عن مسعى جدّي للعمل على تطبيق هذه المعادلة التوافقية على ملفّات أخرى، وثمّة أجواء عن استمرار المساعي التي يقوم بها الوزير الأسبق ميشال إدّه والوزير الأسبق وديع الخازن ورئيس الرابطة المارونيّة جوزف طربيه لتقريب المسافات بين الأقطاب الموارنة، وفي هذا الإطار يؤكّد رئيس المجلس العام الماروني مواصلة اللقاءات والاتّصالات مع كافّة الأقطاب الموارنة، للحفاظ على روحيّة لقاء بكركي والمصالحة التي تمّت برعاية البطريرك الراعي. وفي هذا السياق، "نلمس تجاوباً من الجميع، خصوصاً أنّ المرحلة الراهنة في غاية الدقّة والخطورة على المستويين المحلّي والإقليمي، ومن الضروريّ التوافق وصولاً إلى المصالحة الوطنية الشاملة". وهنا ينقل الوزير الخازن عن رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان حرصه ومواصلة مساعيه لمعاودة طاولة الحوار، التي تبقى السبيل الأنجع لاستقرار البلد أمام الريح العاتية التي تعصف بالمنطقة.
ويبقى أخيراً أنّ الهدوء يحيط بالساحة المسيحيّة على رغم استمرار الخلافات بين الأقطاب الموارنة، بحيث تسعى بكركي بحسب أجوائها إلى عدم انهيار ما تمّ إنجازه بين القيادات المارونيّة حتى الآن، وهنا يبرز ملفّ التعيينات كموضوع خلاف كبير على خطّ بعبدا ـ الرابية، وعلى خطّ السراي ـ الرابية، إضافة إلى ما يجري من حديث عن خلافات صامتة بين الشركاء في تكتّل "التغيير والإصلاح"، أي بين "التيّار الوطني الحر" و"المردة" وبدرجة أقلّ مع حزب الطاشناق حول التعيينات الإداريّة المسيحيّة، في ظلّ الحديث أنّ ثمّة مستفيدين في الحكومة من إبقاء الحالة المسيحيّة في الإدارة على ما هي عليه من ضعف ووهن، ممّا حدَا بالبطريرك الماروني إلى الدخول على خطّ هذا الملفّ في سياق تفكيك فتائل التفجير عبر تقريب المسافات ورأب الصدع بين رئيس الجمهورية والعماد ميشال عون، وعدم تفجير العلاقة بين معراب والرابية تحت هذا العنوان أو سواه، وعليه تأتي حركة إدّه ـ الخازن ـ طربيه عبر توجّهات بكركي للحفاظ على ما تمّ الإجماع حوله في اللقاء الماروني الموسّع كي لا تخرج الأمور عن نصابها.