من سخريات القدر ان تنقلب الادوار في المشهد الاقليمي في الشرق الاوسط وتصبح الولايات المتحدة الاميركية التي لطالما اتهمها محور ما يسمى بـ"الممانعة" – كالحمل الوديع الذي ينسحب من العراق ويخفض وجوده في افغانستان ويعد للمئات قبل اي تدخل جديد عسكري في المنطقة لاخضاع اي من دولها وشعوبها – فيما تتحول دول ومنظمات محور تلك الممانعة الى وحوش كاسرة تفرض بدورها الان امبريالية من نوع جديد: امبريالية احتجاز الشعوب والدول وحجز مصالحها ومصادرة اراداتها.
ما نقصده بالظبط هو واقع المشهد السوري وانعكاساته المتوقعة على لبنان بالدرجة الاولى فالعراق وسواها.
فالنظام السوري يمارس اليوم ليس فقط ابشع ادوار التسلط والاستبدادية والدموية بحق شعبه ولكن وايضا يستخدم ابشع سياسات الارتهان ورهن الاخرين وتسخريهم في سبيل حماية نفسه مستخدما اوراق عمالة وتبعية بعض اللبنانيين له بصورة عمياء – الامر الذي ليس بجديد على هذا النظام الذي لطالما مانع وقاوم بسلاح وارواح سواه من لبنانيين وفلسطينيين وعراقيين وسواهم.
فالامبريالية التي لطالما ادعى النظام السوري مقاومتها وممانعتها في المنطقة دفاعا عن ما كان يعتبره حقوقا عربية – اصبح هو اليوم ابرز ممارسيها على لبنان كما العراق كما الشعوب المجاورة – امبريالية التهديد بالتفجير…
امبريالية التهديد بقطع الرؤوس…
امبريالية السلاح والعنف والدم…
امبريالية حجز بلدان وشعوب واغتصاب سيادتها ووحدتها في سبيل خدمتها هي وحدها…
امبريالية التخلي عن اخلاقيات احترام سيادة واستقلال الدول والشعوب وحقها في تقرير مصيرها… كما في لبنان حيث زرع النظام السوري خلاياه السياسة والامنية واجنحته العسكرية من فلسطينية وحزب الالهية وبعثية "وقومجية " وسواها لتقاتل باسمه وتخرب لبنان باسمه وينتقم بذلك هذا النظام من الغرب والعرب والامم… مخططات عقيمة ومدمرة للاخرين والجوار… لحساب حفاظ هذا النظام على موقعه… متجاوزا باشواط ممارسات المحتل الاميركي للعراق وافغانستان والمحتل الاسرائيلي لفلسطين…
فأقله هؤلاء المحتلين والغزاة اجانب اذا غزو بلد لا يمت بصلة الى حضارتهم وشعبهم وتاريخهم وعاداتهم وتقاليدهم…
يمكن تفسير استفراسهم وتشنيعهم بالشعوب التي يحتلونها…
لكن ماذا يمكن ان يفسر استفراس وشناعة نظام في قتل شعبه اولا وتهديده باغراق المنطقة بدأ من لبنان في حرب على طريقة "شمشون الجبار" اي علي وعلى اعدائي…؟
ثم من قال لهذا النظام ان لبنان مقدر له ان يبقى "كبش الفداء" عنه في اي وقت وفي اي ظرف دون حساب ولا احترام للدولة اللبنانية ولوجودها ولارادة شعبها؟
كم بلغت وقاحة النظام السوري واتباعه في لبنان عليه حد فقدان الحد الادنى من الاخلاق السياسية في التعاطي…؟
هذا هو الفكر الامبريالي الجديد الذي يعتبر الاخرين في خدمة مصالحه واهوائه…
والذي يرى في الاخرين مكسر عصى لمصلحته…
والذي يريد فرض الحديد والنار في اي مكان اذا ما شعر بلحظة انه مهدد في وجوده…
امبريالية استباحة الاراضي والشعوب…
لا بل امبريالية استباحة الاخرين ومسارح الاخرين…
فما اقرب واشبه هذه الامبريالية الجديدة للنظام السوري مع امبريالية الغاصب اليهودي والغازي الغربي…
افهل يا ترى هذا النظام خريج نفس مدرسة المحتل الاجنبي؟؟؟
هذه الامبريالية "الفاقعة" للنظام السوري هي التي تتعالى وتكابر "وتتشاوف" اليوم على الامم والدول والقوى العظمى في العالم وحتى على العرب… وهو الذي لطالما اعتبر نفسه قلب العروبة النابض… فتبين للقاصي والداني ان العروبة التي يؤمن بها النظام السوري هو استبداد وتسلط ضاربا عرض الحائط حرية الشعوب وديمقراطية مبادىء تداول السلطات…
هذه الامبريالية الساذجة هي التي تستبدل اليوم سجن "غوانتانامو" الغريب والاجنبي عن نزلائه بسجن "غوانتامو" بنسختها السورية – وهو السجن الكبير لابناء بلده – واسمه الارض السورية حيث نزلائه ابناء الشعب السوري…
وهي عينها الامبريالية التي تهدد وتتوعد باشعال المنطقة ان هو سقط… وكأن المنطقة ملك له او ارض مشاع…
وهي عينها امبريالية "ومن بعدي الطوفان"…
وهي عينها امبريالية القفز فوق الشعوب وسيادة الجوار واستقلاله…
وامبريالية زرع الفوضى في الاقاليم والمناطق من العالم في سبيل الاحتفاظ بمصالحه… ولو ادى ذلك الى اندلاع أخطر نزاعات طائفية ومذهبية وأشدها اهلاكا لامن واستقرار دول الاسرة العربية والداخل السوري ومنطقة الشرق الاوسط…
كم هي متطابقة تلك الامبريالية الجديدة في سوريا والمنطقة – مع النموذج الامبريالي الذي لطالما اتهمت الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين واسرائيل باعتماده وتطبيقه على شعوب ودول وحكومات المنطقة وكان هذا بالتحديد في اساس الخطاب السياسي للنظام في سوريا مع حليفه الايراني… على مر سنوات التزييف والمتاجرة بالقضية العربية المركزية والحقوق العربية…
فهل يكشف تطابق النموذجين الامبرياليين القديم والجديد حقيقة كونهما وجهين لعملة واحدة تقاسمت الادوار حتى انفضحت؟
