لا ندري اي انطباع ستتركه بيروت في بال ضيوفها الامميين والاجانب والعرب الذين ضمتهم مزهوة في الايام الاخيرة. ونقول مزهوة لان من حق بيروت ان تستعيد على الاقل دورها المنبري الحر تحديدا الآن، في عز ما استوجب جمعها لحشد اممي واجنبي وعربي ينظر في "تحول الديموقراطية" في العالم العربي.
هو مشهد دافئ في مفارقة استعادة لبنان عاصفة ثلجية صارت نادرة في تصحره، ان تستعيد معها عاصمته دورا مستقطبا للنخب السياسية والديبلوماسية والفكرية والثقافية. وهي مفارقة ايضا، ولا ندري ما اذا كان توقيتها مقصودا، ان يحل هذا الحشد في "الفينيسيا" في لحظة الاحتفاء بالذكرى الاولى للثورة التونسية.
بيروت هذه من حقها ان تزهو لا لانها اطلقت ذلك "الربيع" المأمول والموعود والمشروع، بل لانها استعادت رشدها وايقنت انها "خدمت عسكريتها" قبل سائر العواصم العربية الاخرى.
مع كل الانقسام العمودي الذي يطبع لبنان، وعلى بؤس مواطنيه القابعين في صقيع العجز الفضائحي لدولة لا تقوى على توفير الكهرباء والمازوت، ويلهو ابطال فيها بأحلام النفط والتلزيمات المدرة الآتية، لا بأس من لحظة زهو بضيوف ادهشهم بعض ذلك النضج اللبناني الذي يبقي بيروت بعيدة عن عين العاصفة العربية، ويعيدها منبرا للعرب وعن العرب.
مع ذلك لا ندري كيف سيفسر الضيوف هذه المفارقة الغريبة التي يعجز فيها رموز السياسة في لبنان عن ابتكار صيغة طارئة تطلق حوارا داخليا حقيقيا وصادقا لمرة لئلا يبقى الاستقرار السائد رهن مصالح ظرفية او ميزان قوى لا يؤتمن جانبه. شاهد اللبنانيون بطبيعة الحال رموز القوى المختلفة يتوافدون على الفينسيا، من كل المشارب. وفي ندوة "الاسكوا"، اختير ممثلون للقوى السياسية بعناية، وبطريقة دائرية شملت الجميع.
غرابة المفارقة ان لغواً يدور حول الحوار الوطني في لبنان منذ عام تماما، وكأنه كلام في مطحنة مياه. ذلك ان الحوار الداخلي صار مرادفا للتكاذب الصارخ والتلاعب على ميزان القوى، ولا شيء غير ذلك. والادهى من ذلك ان تسقط صدقية المؤسسات الدستورية والرسمية بجريرة "انقلاب" سياسي، يقترب موعد ذكراه السنوية الاولى ايضا، فيما كل شيء من حول لبنان يضغط بشدة في اتجاه حوار مختلف عن كل الحوارات المزعومة سابقا.
مع ذلك نزهو لبيروت ومعها، ولو في فسحة عابرة مع مؤتمر رمزيته اكبر من تأثيره. وحسبنا ان العالم يستعيد حنينه الى بيروت، فيما تغرق الانحاء اللبنانية في صقيع العوز ومعزوفة الملل العائدة اليوم مع ملف الاجور!