عندما بدأت "الأحداث" في جنوب سوريا لم تكن أي عاصمة قرار أو نصف قرار تحبّذ إسقاط النظام البعثيّ أو تراهن على ذلك، ولم يكن أحد خارج سوريا يعير اهتماماً كبيراً لمسألة خلع الرئيس بشّار الأسد شخصيّاً، سواء من ناحية إمكانية حصول ذلك في الأمد المنظور، أو من ناحية وجوب الضغط في هذا الإتجاه.
وفي المقابل، ساد إدراك جماعيّ، وبسرعة قياسيّة، على أنّ ورشة داخلية واسعة ومعقّدة وغير مسبوقة افتتحت في سوريا، وإن كان القياس على الحالات التونسيّة والمصريّة والليبيّة محدوداً وله عواقبه. اجمع الأخصام والأصدقاء يومها على أنّ النظام دخل في مرحلة "الرجل المريض"، وأنّه لن يخرج منها قبل انهياره أو تحوّله إلى شيء آخر.
يومها، طرحت معادلة "إمّا أن يقود الرئيس بشّار الأسد الإصلاحات أو يرحل". تداولتها جميع العواصم بدون استثناء، وتقاذفتها جميعها بعد ذلك، أي استبعدتها تباعاً. في البدء، كان هذا موقف الأتراك قبل أن يخلصوا إلى أنّ الأسد الإبن هو المشكلة، وجرى على منوالهم بعد ذلك، الأميركيّون والعرب ثم الرّوس. الجميع دعا في مرحلة أولى الرئيس بشّار الأسد إلى قيادة الإصلاحات، والجميع خيّره بين أن يقوده أو أن يرحل، والجميع كان عليه أن يصطدم في نهاية المطاف، عاجلاً أم آجلاً، بالخلاصة المنطقية، وهي أنّ "الإصلاحات" التي قادها الرئيس بشّار الأسد منذ آذار 2011 وإلى اليوم هي بحدّ ذاتها، بكل ما تحتويه من جرائم ضدّ الإنسانية، سبب كاف لأن يرحل.
لم يعط أحد من الرؤساء العرب الذين شملهم زلزال "الربيع" مثل هذا الإمتياز الذي أعطي للأسد الإبن، مع أنّ الرؤساء بن علي ومبارك وصالح والعقيد القذافي اتهموا، من جملة إتهامات أخرى، بعزمهم توريث سدّة الحكم، في حين مثّل الأسد الإبن نموذجاً يتيماً لـ"التوريث المحقّق".
وكي يبرّر لبشّار الأسد الإمتياز الإقليميّ والعالميّ الذي أعطي له في أشهر الثورة الأولى، ازدهرت تنظيرات شتّى، من مثل أنّ بشّار الأسد يمثّل "الوسط" داخل هذا النظام ويمكن التأثير عليه، بالترهيب من ناحية والترغيب من ناحية أخرى، لجعله يتفلّت من نظام لا يمكن الدفاع عنه، وبحيث ينجو بجلده من طريق قيادة "المرحلة الإنتقاليّة" أو القيام بـ"الثورة الثقافية" وبعدها لكل حادث حديث.
البعض اعتقد يومذاك أنّه آن الأوان كي يتحرّر بشّار الأسد من جلباب أبيه حافظ الأسد والتركة الثقيلة، أو من أفعال ماهر الأسد ورامي مخلوف والأسماء المشابهة، وهناك من ذهب إلى أنّ بشّار الأسد سيضع نفسه في عهدة الأسرة العربيّة، ويكلّفها إنقاذه في مقابل ارتضائه بدور مختلف تماماً عن الغطرسة الشخصيّة التي طبعت عقده الرئاسيّ الأوّل، وسهّلت إرتماءه التبعيّ في أحضان نظام الملالي الإيرانيّ.
لكن بشّار الأسد لم يكن ساذجاً إلى هذه الدرجة. كان يدرك جيّداً أنّ أي تفكير "انكساريّ" من هذا القبيل سيجعله في عرضة لتسابق الجميع من داخل النظام ومن خارجه لحذفه من المعادلة. اعتمد خياراً لمواجهة الثورة يشبه إلى حد كبير الذهنية التي تصرّف بها حيال الوضع في لبنان بعد الجلاء السوريّ عنه، وفي العراق بعد الإحتلال الأميركيّ له: "الجرأة الأمنيّة" في إرتكاب الجرائم، إعتماداً على "تحليل" بأنّه "لن يُعاقب" أبداً بشكل جدّي، و"الخبث الإستثنائي" في إختيار الكلمات من المعجم الغربيّ نفسه، أي "التسريع بالإصلاحات" من ناحية، و"مكافحة الإرهاب" من ناحية ثانية!!
والمفارقة في هذا الإطار، أنّه عادة ما يفهم من "الإصلاحات" سبيلاً متدرّجاً للتغيير، يعدل عن أسلوب "الثورة" التي قد تلجأ إلى "تسريع التاريخ" بسفك الدماء. لكن بشّار الأسد قلب المعادلة رأساً على عقب: صارت الإصلاحات هي الإسم الحركيّ لعملية القمع الدمويّ للثورة السلميّة، ولعملية إستدراج الثورة السلميّة إلى حرب أهليّة يراهن النظام على إمكان تحكّمه التدريجيّ بمسارها، اعتماداً على خبرتيه اللبنانية والعراقية.
وإلى هنا، كلّ شيء "منسجم منطقيّاً" مع بعضه البعض في ذهن بشّار الأسد، لكن فاته شيء واحد، وأساسيّ: إنّ العالم الذي تسامح معه بشكل يكاد يكون "أبويّاً" منذ 2000 وإلى اليوم، ما عاد يمكنه أن يتسامح معه لأكثر من أسابيع قليلة. نعود ونكرّر: لأسابيع قليلة.
فمشكلة العالم مع بشّار الأسد "لا محدودة من ناحية استفحالها"، لكنها "محدودة للغاية من ناحية التوقيت الزمنيّ" لإنفجارها: فبشّار الأسد يصل حالياً إلى النقطة التي تعدّاها صدّام حسين وسلوبودان ميلوسوفيتش لناحية الإصطدام النافر مع مسار تطوّر المؤسسات والقيم الدوليّة، بما يهدّد فعلاً السلام العالميّ، وما "تعويل" بشّار الأسد على تجدّد "الحرب الباردة" على شرفه هذه المرة، إلا ليزيد القرار بإنهاء الحالة الشاذة التي يمثّلها في عالم اليوم.
لم نعد بعيدين من اليوم الذي يباشر فيه قادة العالم ترداد صيغ متشابهة، حول ضرورة أن يسلّم بشّار الأسد السلطة ويرحل. فأساس حلّ المسألة السوريّة ليس تصميم "مناطق عازلة" أشبه بالألعاب الإلكترونيّة الإفتراضيّة، وإنّما بكل بساطة التعامل مع بشّار الأسد كما لو أنّه ايمانويل نورييغا الباناميّ أو لوران غباغبو العاجيّ لا أكثر ولا أقل: الذهاب إلى حيث هو لإلقاء القبض عليه.