#dfp #adsense

ردّ نصرالله ليس بحجم مواقف بان

حجم الخط

شكّلت مواقف الأمين العام للأمم المتّحدة بان كي مون مفاجأة سياسيّة، إذ في الوقت الذي ذهبت معظم التقديرات إلى توقّع أن يركّز على القرار رقم 1701 وحماية قوّات اليونيفل التي كانت عُرضة لاعتداءات متكرّرة، فضلاً عن المحكمة الدوليّة وتجديد بروتوكولها، تحوّل سلاح «حزب الله» إلى العنوان الأبرز في مواقفه ومحادثاته. فإلامَ يؤشّر هذا التطوّر؟
 
لقد جرت العادة أن تتعامل القوى السياسيّة مع الأمم المتّحدة باستخفاف واستهتار من منطلق عدم فاعليّتها أو قدرتها على تنفيذ القرارات الصادرة عنها، أو لكونها تقارب الأزمات على قاعدة الدعوات إلى وقف العنف والتهدئة والاستقرار، وليس عبر اتّخاذ الإجراءات الصارمة والكفيلة بوضع قراراتها قيد التنفيذ.

ولكن ما تغفله هذه القوى أنّ الأمم المتّحدة باتت بعد انهيار الاتّحاد السوفياتي، ومن ثمّ بعد التجربة الأميركيّة الآحاديّة في العراق، المعبر الوحيد لأيّ توجّه دوليّ في مطلق أيّ ملفّ، والأمثلة واضحة من العقوبات على إيران إلى التدخّل في ليبيا وما بينهما المحكمة الخاصة بلبنان، وبالتالي تحوّل مجلس الأمن إلى الذراع التي بواسطتها تتحقّق العدالة الدوليّة.

وانطلاقاً من هذا الواقع، لم يسعَ بان إلى مراعاة "حزب الله" وسلاحه تحت عنوان "توفير الحماية لقوّات اليونيفل" على غرار الدول الأوروبّية وتحديداً فرنسا في حقبة ما قبل الثورات العربية، إنّما تعامل مع الواقع اللبنانيّ من زاوية أنّ ثمّة قرارات دوليّة يجب تطبيقها، فحفلت كلّ مواقفه بالحزم والوضوح في سياق رسالة مركزيّة هدفها القول إنّ لبنان هو في صلب الاهتمام الدولي والتحذير من أيّ محاولة لتفجيره أو زعزعة استقراره على خلفيّة تزايد القلق والتصعيد داخل سوريا من جهة، وتداعيات الأزمة السوريّة على لبنان من جهة أخرى.

وفي موازاة هذه الرسالة المراد منها القول إنّ أيّ محاولة لنقل النظام السوري أزمتَه إلى خارج الحدود السوريّة ستُستتبع برَدّ دوليّ فوري، لأنّ الأمن الإقليميّ مسؤوليّة دوليّة وخطّ أحمر ممنوع المساس به، على غرار تهديد إيران بإقفال مضيق هرمز الذي تعامل معه المجتمع الدولي بتحذير واضح وشديد اللهجة، فإنّ الرسالتين الأخريَين اللتين أراد بان إيصالهما متّصلتان بمستقبل الوضع اللبناني أكثر من محاولة مقاربة الواقع الراهن، ومن الأمثلة على ذلك:

أوّلا التشديد على ضرورة الانتقال في القرار 1701 من حالة "وقف النزاعات" مع إسرائيل إلى حالة "وقف إطلاق النار" الدائم تنفيذًا لمضمون هذا القرار، أي دفع الأمور خطوات إلى الأمام لا تجميدها تنفيذاً لرغبات "حزب الله"، لأنّ الأمم المتّحدة لا تعمل عنده ولا لحسابه، ومن الواضح أنّ سلوكها والمراجعة الاستراتيجيّة التي تحدّثت عنها قوامها توجّهان: تحميل الدولة اللبنانيّة مسؤوليّة أيّ تقاعس، والتمهيد لمرحلة جديدة قد تكون شبيهة إلى حدّ بعيد بـ"اتّفاق الهدنة" بين لبنان وإسرائيل، أي المقصود نزع مبادرة الحرب من يد "حزب الله".

ثانيا التشديد على "بسط السيادة على كافّة الاراضي اللبنانية، وألّا يكون هناك سلاح خارج الدولة"، لأنّ "وجود هذا السلاح أمر غير مقبول".

ففي كلّ أدبيّات الأمم المتّحدة الموثّقة تحديداً في تقاريرها الدورية عن القرارات الدولية المتّصلة بالأزمة اللبنانيّة يتمّ التعامل مع سلاح "حزب الله" باعتباره مقوّضاً للسيادة اللبنانية ومهدّداً للاستقرار في المنطقة، ويبدو أنّ هذا التركيز من قِبل بان على السلاح يؤشّر إلى طبيعة المرحلة التي ستلي سقوط النظام السوري، حيث إنّ الأولويّة ستكون لفصل تأثير إيران عن المشرق العربي، وهذا ما يفسّر مشاركة مبعوث الأمين العام لمتابعة تنفيذ القرار 1559 تيري رود لارسن ضمن عداد الوفد، ما يؤكّد أنّ ثمّة توجّهاً لإعادة الاعتبار لهذا القرار، وأنّ تشجيع بان لرئيس الجمهورية "لاستئناف الحوار من أجل نزع السلاح خارج الدولة" سيكون هذه المرّة على أسس وقواعد مختلفة أبرزها الاتّفاق على جدول زمني محدّد.

وفي موازاة المواقف الحاسمة لأمين عام الأمم المتّحدة اكتفى الأمين العام لـ"حزب الله" بالتأكيد على رفض الحوار لـ"نزع سلاح المقاومة"، وهذا الموقف هو أكثر من بديهيّ وطبيعي، ولكن ما يستحقّ التوقّف عنده أنّه لم يقابل مواقف بان بتصعيد سياسيّ داخلي أو على الحدود، لا بل كرّر "حرصه على السلم الأهلي" ودعوته "الحكومة لأن تكون فعّالة أكثر، وتعطي الأولويّة لقضايا الناس المعيشيّة والاجتماعية والحياتية"، وهذا ما يؤشّر إلى أنّ الحزب دخل بشكل أو بآخر على لائحة الـ"MENU" الدوليّة بتجاوبه مع الدعوة إلى تثبيت الاستقرار في لبنان من دون التخلّي عن ترسانته الصاروخيّة، وذلك في محاولة إمّا للمقايضة مع هذا الموقف بإظهار حسن نواياه للحوار في المرحلة اللاحقة، أو يريد الانحناء أمام العاصفة الدوليّة بانتظار ظروف أفضل.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل