#dfp #adsense

بان كي مون في بيروت «حزب الله» أضاع فرصة أخرى..؟

حجم الخط

الحركة الدبلوماسية الإقليمية والدولية التي شهدها لبنان في الأيام الأخيرة، تتجاوز في أهميتها وأبعادها، مسألة المشاركة في مؤتمر «الانتقال الى الديمقراطية» الذي نظمته «الاسكوا» في بيروت نهاية الأسبوع.
من السذاجة التسليم بأن الأمين العام للأمم المتحدة أمضى في العاصمة اللبنانية ثلاثة أيام بانتظار موعد افتتاح مؤتمر الديمقراطية، في حين أن أجندته تزدحم بالملفات الساخنة التي تشغل المنطقة، على إيقاع رياح التغيير التي تجتاح اكثر من بلد عربي.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن وزير الخارجية التركية أحمد داوود أوغلو قد ذهب في الوقت الضائع إلى بكركي، وطاف على الرؤساء الثلاثة، والتقى العديد من القيادات اللبنانية، إلى أن حان موعد مؤتمر «الاسكوا»..!.
الواقع أن زيارة الدبلوماسي الأممي الأوّل بان كي مون لم تكن حدثاً عادياً، كما أن مجيء مُخطِّط الدبلوماسية التركية إلى بيروت في هذه الفترة بالذات، تشكّل محطة لا بدّ من التوقف ملياً عندها، في إطار متابعة الحراك التركي الدبلوماسي في الآونة الأخيرة بين طهران وواشنطن خاصة، ومع مختلف عواصم القرار العربي والأوروبي بشكل عام.

فهل استفاد لبنان من فرصة وجود شخصيات دولية وإقليمية بحجم بان كي مون وأحمد داوود أوغلو، لتعزيز أمنه واستقراره وتحصين الجبهة الداخلية؟.
* * *
لا بدّ من الاعتراف أولاً أن حضور مون وأوغلو إلى بيروت يُؤكّد، مرّة أخرى، مدى الاهتمام الدولي والإقليمي بالوضع اللبناني، خاصة وأن توجهات الرجلين كانت متشابهة بدعوة اللبنانيين إلى حماية استقرارهم وعدم الانزلاق إلى ما تشهده المنطقة حولنا من اضطرابات وانتفاضات لا سيما وأن الوطن الصغير كان قد سبق جميع الأشقاء بدفع فواتير الاضطرابات الداخلية، وصولاً إلى تفجير الربيع العربي الأوّل في 14 آذار عام 2005، على حد قول وزير الخارجية التركية نفسه.

والحفاظ على الأمن والاستقرار في لبنان، يعني بالنسبة لبان كي مون، استطراداً الحفاظ على أمن جنود الأمم المتحدة المنتشرين في الجنوب اللبناني، والذين تتعرض مواكبهم لتفجيرات، بين حين وآخر، هي في الواقع رسائل ساخنة إلى المنظمة الدولية كلما حاولت الاقتراب من بعض ملفات المنطقة، وخاصة ما يجري حولنا.

وبقدر اهتمامه بأمن قوات اليونيفل وحماية عناصرها من أية هجمات غامضة، أبدى الأمين العام للأمم المتحدة رغبة واضحة بمعرفة مدى التزام لبنان بالقرارات الدولية، سواء القرار 1701 الذي اوقف المعارك في حرب تموز، أو القرارين الآخرين 1559 الذي نص على جمع سلاح الميليشيات، و1757 الخاص بإنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

وعلى ذمة الراوي، فقد ردّ بان كي مون على اتهام الأمم المتحدة المقياس بمكيالين في تطبيق القرارات الدولية، متسائلاً أمام محدثه اللبناني الرسمي: وأرى في لبنان من يقيس بمكيالين أيضاً: يُطالبون بتطبيق القرار 1701، ويتنكرون ويرفضون الاعتراف بالقرارين 1559 و1757..!!.

وفي هذه النقطة بالذات، نعتقد أن «حزب الله» قد أضاع فرصة كبيرة بمقاطعته زيارة الأمين العام للأمم المتحدة، وإسراعه في إعلانه على لسان أحد قيادييه بأن بان كي مون غير مرغوب بمجيئه إلى لبنان، الأمر الذي حال دون تحقيق أي لقاء بين المسؤول الأممي الأوّل ووفد من «حزب الله».

وغني عن القول إن مثل هذا اللقاء في حال إتمامه كان يعتبر لمصلحة «حزب الله» بالدرجة الأولى، من دون أن يحمّله أية مسؤولية في تغيير مواقفه من المنظمة الدولية وقراراتها ذات الصلة.
كان بإمكان قيادة «حزب الله» أن تُحرج بان كي مون وتطلب موعداً للقائه بحيث يذهب أحد وزراء الحزب، أو رئيس كتلته النيابية لمقابلته، على نحو ما حصل مع الوزير التركي، الأمر الذي كان من الصعب على المسؤول الأممي أن يرفضه، خاصة وأن طالب الموعد هو شريك في السلطة الرسمية، ويتمتع بوجود شرعي ودستوري عبر ممثليه في مجلس النواب، وفي مجلس الوزراء.

رب قائل إن مثل هذا اللقاء لن يثمر في تغيير مواقف بان كي مون والمنظمة الدولية من الملفات الخلافية مع الحزب، هذا صحيح، ولكن الأصح أيضاً أن يكون الحزب قد فرض وجوده السياسي على المنظمة الدولية، بعيداً عن التصنيف الإرهابي، فضلاً عن أن فتح قنوات الحوار مع الأمين العام للأمم المتحدة يُعتبر إنجازاً دبلوماسياً ذات أهمية لا يمكن تجاهلها.

ولعل بعض قادة «حزب الله» يذكرون ذلك اليوم الذي حضر فيه الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة كورت فالدهايم، وقام بزيارة الزعيم الفلسطيني «أبو عمار» في مكتبه في حيّ الفاكهاني ببيروت، في مرحلة كانت فيها «منظمة التحرير» وحركة «فتح» مصنفتين في خانة المنظمات الإرهابية. ولكن «أبو عمّار» عرف يومها كيف يوظّف تلك المناسبة وضجة اللقاء لصالح حركته.
فهل كان ثمة ما يمنع مثل هذا اللقاء بين مون وأحد قياديي «حزب الله»، ولو من موقع المختلف؟.

ألم تكن الفرصة مناسبة لإبلاغ أكبر مسؤول أممي أن «حزب الله» هو حركة سياسية يتمتع بقواعد شعبية، وله ممثلين في مجلس النواب، ويشارك في الحكومة الحالية، ومؤسساته ناشطة في المجالات التربوية والصحية والاجتماعية، إلى جانب اضطلاعه بمضارعة الاحتلال الإسرائيلي.

وماذا كان يمنع أن يبلغ موفد «حزب الله» بان كي مون ما أعلنه السيّد حسن نصر الله في خطاب بعلبك من حرص على عدم تصديع الوضع الأمني، مهما بلغت التطورات حولنا، ومن تأكيد والتزام بعدم استعمال السلاح ضد الأخوة والشركاء في الوطن، مهما اشتدت الخلافات.

لقد خرج كبير نواب «حزب الله» محمّد رعد من جلسة مطولة مع الوزير التركي أحمد داوود أوغلو ليعلن أن التباين كان واضحاً، والاختلاف حول تشخيص الأوضاع، ووصف الحلول لها… إلا أنه أكّد في الوقت نفسه الاتفاق على استمرار التواصل والتحاور بين الطرفين.

ألم يكن هذا الأمر ممكناً أيضاً في «اصطياد» فرصة وجود الأمين العام للأمم المتحدة في بيروت؟!.
فرصة أخرى أضاعها «حزب الله»… لا ندري لماذا؟.
ولكن آن الأوان لندرك أن الدبلوماسية في زمن السلم لا تقل أهمية عن السلاح في زمن الحرب!.
 

المصدر:
اللواء

خبر عاجل