فجأة يصبح الامل معلّقا على لهاث كلب بوليسي! كلب تتبعه العيون المفجوعة لترصد المكان الذي سيتوقف عنده ويدور من حوله. هي اشارة الى وجود حياة ما، أو ما تبقى منها، أو لا حياة…هكذا تعلّقت العيون في الاشرفية وهي تراقب عمليات الانقاذ في المبنى المنهار. هذه هي حياة الناس في لبنان احيانا، تتعلّق على لهاث كلب، عندما تتحول حياتهم بلحظة الى أقل من ذلك بكثير، الى أرقام في أدراج الاهمال المعتّق المعشش في دولة عفنة يأكلها الصدأ والهريان. ما ذنب الدولة؟ طبعا لاننا في لبنان نسأل السؤال بهذه الصيغة، لو كنا في غير لبنان لكانت سقطت الدولة بكل ما فيها، واستقالت وذهبت الى الجحيم، لأنها استخفت بمواطنيها وأرسلتهم قبلها الى الجحيم، وان كانت أرواحهم هانئة لانها أصبحت بعيدة عن جحيم هؤلاء. هي حلقة متّصلة بكل شيء، من المتعهد الى المهندس الى البلدية الى المختار الى النائب فالوزير…كلهم متورطون بالقانون وتجاه الناس والله.
من أجل أي قضية مات جهاد وآن ماري والاخرون، من أجل أن يحيا مَن؟ الوطن؟ لا أظن. بالتأكيد لا، لا يحيا الوطن عندما يموت ناسه قسرا وذعرا فوق أكوام حجارة تنهال فوق رؤوسهم، فيرون موتهم وهم بعد أحياء. يا الله كيف عاشوا آخر لحظاتهم وهم يراقبون الموت يهرع لاحتضانهم؟ شيء مروّع.
مسؤولون بالجملة أتوا وراحوا وصرّحوا واستنكروا واستهجنوا…وكل الكلام الى النسيان، الى قمامة الفراغ. الاجهزة الامنية تداخلت ببعضها البعض. القانون؟ لا تسألوا عن ميت، منذ نحو ثماني سنوات صدر قانون بخصوص المباني والسلامة العامة، لم يُنفّذ منه حرف واحد حتى الان وأكلته بيوت العنكبوت.
في الواقع لم يكن انهيار مبنى في شارع المطران عطالله في الاشرفية، كان انهيار منظومة الدولة والقانون، الدولة التي تحمي ناسها ومواطنيها بالقانون وبناس القانون، فلا تعود تحتاج الى لهاث كلب لتعرف مَن مِن ناسها ما زالوا على قيد الحياة. هكذا تساوي حياة الناس في لبنان، كومة حجارة منهارة وكلب يبحث عن انقاض الدولة بينها، يبحث عنا بين الانقاض وان كنا أحياء نتفرّج على المشهد ونتأسف. نحن نتفرّج على موتنا ولا ندري. تماما كمن يهرب من مشهد النعش، لانه يعرف ان هذا بيته الاخير فيهرب من موته المحتوم. هذه حكاية الانسان في هذه الدولة، الانسان المطمور تحت الركام.
