اعتبر رئيس جبهة "النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط أن "ثورات الشعوب لها حيثياتها وظروفها الموضوعية بعيداً عن الخطب الكلامية المطولة التي نظرت الى مفاهيم ومصطلحات مضى الزمن على القسم الأكبر منها"، مشيراً إلى ان هذه الحركة تتقدم الى الأمام ولا تعود الى الوراء. وأضاف: "الشعوب العربية الثائرة ترفض القمع والاستبداد والفساد، ولم تعد تقبل بالحزب الواحد والحاكم الأوحد"، موضحاً أن "اللغة الخشبية التي استخدمت لسنوات بهدف السيطرة على الشعوب لم تعد تنطلي على الأحرار والثوار في كل البلدان العربية".
جنبلاط، وفي حديث الأسبوعي لجريدة "الأنباء" الصادرة عن "الحزب التقدمي الاشتراكي"، اعتبر أن "المحاولات المستمرة لتسويق نظريات الارهاب والمجموعات الارهابية المسلحة لم تعد تقنع الشعوب الغاضبة"، مشيراً إلى أنه "إذا كان هناك من عصابات تنعت بأنها إرهابية تستغل حالات الفوضى التي تثيرها الحلول الأمنية والقمعية التي يمارسها النظام في مواجهة المطالب السياسية والاجتماعية المشروعة، فذلك لا يلغي أن هناك شعوباً تريد تحقيق حريتها وديمقراطيتها وعزتها وكرامتها".وأضاف: "محمد بو عزيزي من بلدة سيدي بوزيد، مفجر الثورة التونسية لم يكن إرهابياً، والآلاف من التونسيين الذين نزلوا الى الشوارع لم يكونوا إرهابيين، إنما كانوا أحراراً يرفضون البقاء تحت نير الظلم والقمع والاستبداد الذي مثله حكم زين العابدين بن علي على مدى سنوات، وقد احتفلت تونس بالأمس بالذكرى السنوية الأولى لانتصار ثورتها".
وتابع جنبلاط: "خالد يوسف مع الملايين من الشباب والأحرار في ميدان التحرير لم يكونوا إرهابيين، وهم أسقطوا نظام حسني مبارك وذهبوا به الى المحكمة لينال عقابه بعد سنوات من القهر والفساد والمحسوبيات. ونحن أيضا على مشارف الاحتفال بالذكرى السنوية الأولى لثورة 25 يناير"، مشيراً إلى أن "المحامي فتحي تربل الذي رفع الصوت في قضية سجن أبو سليم الذي كان معتقلاً مورست فيه كل أشكال التنكيل والتعذيب والابادة وواجه القمع في بنغازي، وفي منتصف شباط المقبل تحل الذكرى الأولى لاسقاط نظام معمر القذافي؛ فتربل والآلاف من الثوار الليبيين الذين إنتفضوا ضد إستبداد الحاكم وممارساته القمعية ونظرياته السخيفة، لم يكونوا إرهابيين".
واستطرد جنبلاط: "إن توكل كرمان والملايين من المناضلين في ساحات اليمن وشارع الخمسين الذين خرجوا للمطالبة بالحرية والديموقراطية والتعددية لم يكونوا إرهابيين كذلك. والبحرينيون الذين تظاهروا في ساحة اللؤلؤة للمطالبة بحقوقهم السياسية المشروعة لم يكونوا إرهابيين أيضا"، مشيراً إلى أنه "إذا كان كل هؤلاء ليسوا إرهابيين، فمن الظلم إعتبار أطفال درعا وحمزة الخطيب وغيرهم بأنهم إرهابيون، ناهيك عن الذين يقبعون في السجون والمعتقلات والمفقودين وجميعهم ليسوا سوى طلاب حرية. أما عشرات الآلاف من المناضلين والمناضلات والمواطنين العزل نساء وأطفالا وشيوخا الذين يواجهون سلميا البطش والقمع بصدورهم العارية، فهم حتما ليسوا من الارهابيين".
ولفت جنبلاط الى "أن القبول بهذا المنطق المؤامراتي يقود الى الاستنتاج، على سبيل المثال لا الحصر، أن ثورة الشعب الأميركي ضد الاستبداد البريطاني كانت تنفيذا لمؤامرة فرنسية، أو أن المقاومة الفرنسية بقيادة شارل ديغول من بريطانيا في مواجهة النازية كانت مؤامرة بريطانية، أو أن الاحتضان المصري والتونسي للثورة الجزائرية كان مؤامرة مصرية وتونسية، أو أن استقبال فرنسا للامام الخميني جعل من الثورة الاسلامية سنة 1979 تطبيقا لخطة إنقلابية فرنسية"، مشيراً إلى أن "هذا المنطق نفسه سيعني أن لينين كان متآمرا مع الألمان عندما إجتاز ألمانيا وإلتحق بالثورة الشيوعية سنة 1917! والاسترسال في هذا المجال يفضي الى تقديم أعداد لا تحصى من الأمثلة التاريخية".
واعتبر جنبلاط "أن إطلاق العنان للمخيلات الخصبة وفقا لهذا المنطق سيضع كل حركات تحرر الشعوب المشروعة ومعظم الدعم الداخلي والخارجي لهذه الحركات في خانة المؤامرات، وهذا أمر مرفوض جملة وتفصيلا"، مشيراً إلى أن "نظرية الممانعة كانت تمثل محاولة مستمرة لمصادرة آراء الشعوب العربية في التحرر والقرار المستقل خصوصا في فلسطين، ويعود للشعب الفلسطيني وحده حق تقرير مصيره بعيدا عن مصالح بعض المحاور عربية كانت أم إقليمية". وأضاف: "في المناسبة، ليس بهذه الطريقة التي عبر عنها بعض المستشرقين في وزارة الخارجية الجزائرية يكافأ الشعب السوري، أو يعبر عن التراث الجزائري في الثورة والتحرر، ولا تزال حاضرة ذكرى الأمير عبد القادر الجزائري الذي حمى الأبرياء في الشام وأهلها في منتصف القرن التاسع عشر من "الشبيحة" آنذاك".
وأكد جنبلاط أن "استمرار النزف في سوريا لا شك قد يؤدي الى الانزلاق نحو الحرب الأهلية التي ستكون نتائجها مدمرة، أو ربما تتخذ خطوات للهروب الى الأمام تدفع الأمور نحو التفجير في ساحات أخرى بعواقب وخيمة تخرج كل الأحداث عن السيطرة"، مشيراً إلى أن "التنفيذ الحرفي للمبادرة العربية بحذافيرها هو السبيل الوحيد للخروج من الأزمة وبناء سوريا جديدة معافاة، ديمقراطية، متنوعة، ومتعددة".
وأكد جنبلاط مجددا "ضرورة أن تقوم إيران بمبادرة ما تجاه الشعب السوري الذي وقف الى جانب الثورة الايرانية ضد نظام الشاه وفي مواجهة الهجوم الصدامي في الثمانينات"، معتبراً أن "من الضروري لروسيا التي دعمت الشعب السوري في بناء سد الفرات وقدمت الآلاف من المنح الدراسية وساهمت في دعم سوريا عسكريا وإنمائيا، أن تقوم بمبادرة سياسية مع الدول المعنية لاخراج سوريا من هذه الأزمة". وأضاف: "البوارج، على أهميتها، ليست هي السبيل الأمثل للتعامل مع هذه الأزمة الحادة، فأي عاقل لن يمتنع مستقبلا عن تقديم التسهيلات لروسيا في ميناء اللاذقية أو سواه".
وختم جنبلاط قائلاً: "صحيح أنني لم أطلب موعدا من أمين عام "حزب الله" حسن نصرالله، وربما كان من الأفضل تفادي تلك الهفوة الكلامية بعدم طلب موعد مستقبلاً، خصوصاً أنني ناديت وسأبقى أنادي بالحوار بين اللبنانيين في كل الظروف والخروج من حال القطيعة السياسية بينهم، إلا أن ذلك لا يلغي تمسكنا بالمقاومة والوظيفة الدفاعية التي تؤديها في مواجهة العدو الاسرائيلي بما يتلاءم مع المصلحة الوطنية اللبنانية، مع التشديد على ضرورة التوصل توافقيا الى خطة دفاعية وطنية شاملة وعدم استخدام السلاح في الداخل"، مشيراً إلى أنهم "يملكون كل الحرص، مع المقاومة، للحفاظ على الاستقرار الداخلي والسلم الأهلي لا سيما في ظل هذه اللحظة الإقليمية الحساسة والحرجة. أما التباين الحاصل في قراءة تطورات الأزمة السورية فنتركه للحوار المباشر بعيدا عن التساجل الاعلامي".