كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار": لم يكن اللقاء بين وزير خارجية تركيا احمد داود اوغلو ومتروبوليت بيروت للروم الارثوذكس المطران الياس عوده عادياً، بمعنى الزيارات البروتوكولية، بل تحول نقاشاً فكرياً من الدرجة الاولى بين مفكرين، احدهما ارثوذكسي مشبع بالفكر الانطاكي وروحانية الكنيسة الشرقية، وثانيهما تركي يحمل مقاربة جديدة ورؤية متقدمة للفكر الاسلامي عن الشؤون الدينية والفلسفة واهمية الحوار وبناء المجتمع التعددي.
من حضروا اللقاء نقلوا انطباعات مشجعة عنه، اذ ساهمت الابتسامة الدائمة للرجلين في كسر رتابة وشكلياته لينطلق الحوار في تاريخ الاسلام والاديان السموية الاخرى، وكان واضحاً اطلاع اوغلو العميق على تاريخ اليهودية والمسيحية والاسلام القديم. وروى وزير خارجية تركيا لمضيفيه انه زار في القدس كل الامكنة القديمة، وذهب الى مصر يجول في احياء القاهرة القديمة وحاراتها وكنائسها ومساجدها القديمة بدافع من حب المعرفة والاطلاع. ثم انتقل الكلام الى المتصوفين في الاسلام والذين يؤدون دوراً كبيراً في التراث الثقافي التركي والاسلامي، وكان نقاش عن نقاط التشابه والتماثل بين نهج القديسين والنساك المسيحيين الذين يبلغون اعلى درجات النسك، و "كيف يميتون الجسد ليسكن فيه الروح"، وبدا اوغلو للحاضرين متضلعا جداً من الملف وذا شخصية حساسة تدرك كنه الحوار الاسلامي – المسيحي من خلال هذه المفاصل الفلسفية والثقافية "حيث يمكن الانسان ان يلتقي الآخر من خلال عبادة الله".
لم يكن الكلام سياسياً خلال الجلسة بالمعنى التقني او الحرفي للكلام، لكن تناول السلام في الشرق الاوسط سواء بين دولها المختلفة او داخل مكونات مجتمعاتها، اضافة الى التشديد على اهمية الحوار والعمل على اقناع الآخر بدلاً من قمعه وقد زخر بالكثير من المؤشرات السياسية والدلالات، بالنظر الى الدور القيادي الذي تضطلع به مطرانية بيروت في اوساط النخب اللبنانية عموماً والارثوذكسية خصوصاً. وبدا واضحاً للحاضرين ان وزير الخارجية التركي المتهمة دولته برعاية حركات "التغيير" في العالم العربي ودعمها، وخصوصاً في سوريا، كان حريصاً على ابلاغ رسالة واضحة فحواها "ان لا داعي لخوف الاقليات وخشيتها مما يجري، وخصوصاً في لبنان حيث تشكل طوائفه الـ 18 ضمانة للحوار والتعدد والتنوع، وتالياً للسلم الاهلي".
ونقل الحاضرون في مجلس مطرانية بيروت الارثوذكسية، ان الوزير التركي كان واضحاً واتسم بدماثته المعروفة في الحديث عن رفض اي اشكالات او مكروه حيال المسيحيين في الشرق، لكنه سمع ايضاً ان المسيحيين اصيلون في هذه المنطقة ولا يخشون شيئاً، لكنهم يراقبون بحذر الدعوات المتطرفة الداعية الى الجهاد والتي لا تأخذ في الاعتبار التنوع الاجتماعي والتعدد الكبير في دنيا العرب وبلادهم. كما سمع اوغلو مباشرة ان المسيحيين يراقبون بحذر الهجمة العقارية التي تتعرض لها اراضيهم وممتلكاتهم تحت عناوين مختلفة ومنها ربما "اسلمة الارض"، وان شراء اراضي المسيحيين يعني تحويلهم شعبا بلا ارض، وعندها لن يبقى للوجود المسيحي في الشرق عموماً ولبنان خصوصاً اي معنى.
ورد الوزير التركي مستغرباً ما سمعه، ومعرباً في الوقت عينه عن دهشته لهذه الامور، وقال ان "هذا الامر مرفوض ومستهجن"، ليعود ويؤكد اهمية حماية التنوع الديني والتعددية الثقافية والحوار وصولاً الى حفظ التراث الديني الكبير في منطقة الشرق الاوسط، وبدا واضحاً حرص اوغلو على استعمال كلمة "منطقتنا" (Our region).
ودوّن وزير خارجية تركيا في سجل تشريفات مطرانية بيروت للروم الارثوذكس: "انه لشرف كبير لي ان التقي سيادة المطران الياس عوده وسعدت بالحوار معه عن القضايا الدينية والتعدد الثقافي في جو من الالفة والصداقة، الامر الذي يعنيني كباحث. وتأثرت كثيراً. برؤيته للقواسم الثقافية المشتركة وتراثنا الديني في منطقتنا، وآمل ان التقيه مرة جديدة لمتابعة هذا الحوار".