كتب صبحي منذر ياغي في صحيفة "الجمهورية": أكّدت معظم التقارير الواردة إلى عدد من الأجهزة الأمنيّة، عودة تجارة السلاح وتهريبه وانتعاش هذه التجارة بفضل التطوّرات والأحداث الأمنيّة التي تشهدها سوريا والمنطقة، وأشارت إلى أنّ عمليّات التهريب والتجارة والبيع يشارك فيها الجميع ومن جنسيّات مختلفة، كونها تجارة مربحة وتؤمّن الكسب المادّي السريع
أنعشت تطوّرات الأوضاع الامنيّة في المنطقة، وعودة موجة التسلّح الى لبنان، الروح في "سوق السلاح"، بحيث عاد تجّاره لاستئناف نشاطهم وتحرّكاتهم، وصارت "بضاعتهم" في متناول الجميع، ومن دون تمييز، لأنّهم "أمميّون" لا حدود لساحات عملهم – كما قال مصطفى.ط. (تاجر سلاح): "نحن نفتش عن رزقنا حتى نطعم عائلاتنا، ولا علاقة لنا بالمواقف السياسية، ونتمنّى أن يبعدونا عن صراعاتهم، فنحن مثل التجّار كلّهم، أصدقاء للجميع".
وأكّد "أبو الغضب" الذي كان منهمكا في تنظيف قطعة سلاح من نوع "كلاشينكوف" – وهو يُعتبر وفق تجّار السلاح (شيخ المهرّبين في منطقة البقاع الشرقي، وصدرت بحقّه عشرات مذكّرات التوقيف): "إذا كان لبنان يصدّر اسلحة مهرّبة وذخائر، فإنّه في الوقت نفسه يعتبر من المستوردين ايضا. وفي السنوات الخمس الماضية، زادت نسبة الاستيراد على نسبة التصدير بسبب تردّي الوضع الامني في لبنان، ثمّ عادت هذه النسبة لتزيد في الاشهر الماضية بعد اندلاع الثورات العربية، وخصوصا في سوريا…".
مصدر السلاح
وأضاف "ابو الغضب": "مصدر السلاح المتدفّق الى لبنان هو من ثلاثة بلدان: تركيا والعراق والاردن. وبات لكلّ سوق اختصاصه، فمن تركيا المسدّسات واسلحة الصيد، ومن الاردن ذخائر المسدّسات من عيار 9 ملم وقذائف صاروخية، إضافة الى اسلحة رشّاشة معيّنة، وهناك ذخائر المسدّس 10,5 ملم التي تأتينا من بلاد الصرب عبر تركيا فلبنان مرورا بسوريا".
عمليّات التهريب
ولكن كيف تتمّ عمليّات التهريب في ظلّ ما يشبه الحصار الامني على المعابر الحدودية؟ قال (أ.ش) (تاجر سلاح من الشمال): "أودّ ان تعلم انّ تجارة السلاح وتهريبه "مصلحة" يستفيد منها الجميع من مهرّبين وباعة وتجّار وغيرهم. والسلاح المستورد يصلنا عبر الطرقات الحدودية البرّية من خلال مهرّبين من جنسيّات سورية وفلسطينية وحتى تركية، فنقصد نقاطاً حدودية برّية معينة مُتّفق عليها، واحيانا نبيت ليلتين او اكثر في غير مكان، في انتظار وصول "البضاعة" التي تتأخر أحيانا لظروف أمنية، منها مثلا ملاحظة حركة كثيفة لعناصر الهجّانة (حرس الحدود)، او دوريات وكمائن".
كلمة سر… وتمويه
وأضاف: "بعد اللقاء في النقاط المتعارف عليها، وبعد لفظ كلمة السر بين المهرّبين، تجري عملية التسلم والتسليم، والدفع في هذه التجارة "كاش"، وممنوع الدين بالمطلق لأن لا احد يضمن الآخر او يضمن بقاءَه على قيد الحياة او خارج السجن. والمهربون يعمدون في كلّ مرة الى تغيير نقاط التلاقي لضرورات أمنية، واحيانا يشقّون طريقا ترابية للتمويه بأنّها طريق للتهريب، او يتركون فضلات طعام، وبضعة طلقات، وعلب ادوية، في احد الاماكن من باب التمويه وتضليل دوريات حرس الحدود".
واللافت، وحسب ما رواه عدد من المهرّبين، أنّ تجّار ومهرّبي السلاح في لبنان وسوريا والعراق، وحتى تركيا، يعرفون بعضهم بعضا وعلى تواصل وتنسيق دائم، ولكن لكلّ تاجر اسم وهمي، او لقب، حتى لا يضطر ايّ مهرّب يتمّ القبض عليه الكشف عن زملائه. وقال ابو خطار ممازحا: "لا ينقصنا إلّا ان نؤسس نقابة تدافع عن حقوقنا".
وينقل السلاح والذخائر في سيارات 4×4 رباعية الدفع، او شاحنات صغيرة من نوع بيك – اب، تسلك ليلا معابر وطرقات غير شرعية شقّها المهرّبون بين لبنان وسوريا، او بين سوريا والعراق، او بين سوريا وتركيا… أمّا البغال والحمير، فتستخدم لنقل كمّيات صغيرة من الذخائر ولمسافات قريبة. والطريقة نفسها المتّبعة ما بين مهرّبي لبنان وسوريا، تُتّبَع بين مهرّبي سوريا والعراق، او سوريا وتركيا او الاردن…"
أخطار "المهنة"
وعن مخاطر هذه التجارة وصعوبتها، قال "أبو رزاق" – (وهو لقب لتاجر سلاح من منطقة دير العشائر في البقاع الغربي): "المهرّبون يحملون دمهم على كفهم، ولعلّ صعوبات العيش وقلّة الحال والعوز تدفعهم الى هذه التجارة، وقد قُتل عدد كبير من المهرّبين برصاص حرس الحدود والامن والجمارك، ولو أردتُ ان اعدد لك أسماء عائلات فقدت أبناءها لما انتهيت. ونحن نتمنّى ان نعمل في تجارة شرعية، ولو تمكّنا لوفّرنا على أنفسنا القتل والتشرّد والسجون، في الوقت الذي تجد فيه أنّ مردود هذه التجارة ليس كما يتصوّره البعض، لأنّ أرباحنا قليلة بعد ان يتوزّع المال ما بين رشاوى تدفع لعناصر الهجانة والجمارك وغيرهم، وللسماسرة، ثمّ إنّ الكثير من المهرّبين يبيعون بضاعتهم لتجّار السوق المحلّيين الذين يتحكّمون احيانا بالاسعار، واحيانا يتأخّرون بالدفع…"
عيون الناس تنام إلّا عيوني
وتشارك زوجة "ابو رزاق"، المنهمكة في تحضير القهوة على "مدفأة الحطب"، في الحديث: "نتمنّى لو يتأمّن ابو رزاق بوظيفة تكفينا حاجاتنا ونستطيع من خلالها تربية اولادنا، فأنا اقضي الليالي ساهرة وقلقة كلّما غادر المنزل لاستلام البضاعة او إرسالها، فعيون الناس تنام الّا عيوني، وكثير من الليالي أظلّ ساهرة حتى الصباح اتوقّع حصول الأسوأ". وأكملت متأففة: "انّها لقمة مغمّسة بالدم والعذاب…"
ويعتبر المهرّبون أنّ إدخال السلاح الى سوريا يصطدم بصعوبات كثيرة بسبب التشديد الامني السوري والمراقبة والرصد، ما يضطرّهم احيانا لدفع مبالغ عالية للسماسرة، بعكس إدخال السلاح الى الاراضي اللبنانية، بسبب فلتان الحدود وغضّ النظر من قبل الاجهزة الامنية والحدودية السورية التي لا يعنيها إغراق السوق اللبنانيّة بالسلاح والذخائر من جهة، وكون هذا الموضوع يدرّ عليها المال والمنافع من جهة اخرى، في الوقت الذي لا توجد فيه مراقبة أمنيّة فاعلة للمعابر الحدودية.
السلاح… وسوريا
إضطرابات الوضع في سوريا والتطوّرات المتسارعة دَبّت الروح في سوق السلاح، فارتفعت الاسعار، ووصل سعر بندقية الكلاشينكوف الروسية الى حوالى 1000 دولار، وبندقية ام 16 الى 2000 دولار، في حين وصل سعر قذيفة ب7 الى 200 دولار، فيما سعر القاذف قدّر بحوالى 1000 دولار. أمّا أسعار طلقات الاسلحة المعروفة (روسي 9 ملم، 7 ملم، م 16) على انواعها، فتتراوح بين الـ 1000 و1500 ليرة لبنانية للطلقة الواحدة.
ويقول تاجر سلاح: إنّ هناك تجارة واسعة في بيع الأسلحة في لبنان، وإنّ السلاح المتدفّق على سوريا مصدره ايضا العراق وتركيا، وأكثر الأسلحة رواجًا هي الكلاشنكوف وأنواع من أم ـ 16. ويبلغ سعر الكلاشنكوف الجيّدة 1600 دولار بزيادة 400 دولار على سعرها قبل شهر. وفي عام 2006 كان سعرها لا يزيد على 500 إلى 600 دولار. وتكلّف بندقية الاقتحام الأميركية أم 4 المجهّزة بقاذفة صاروخيّة 15 ألف دولار. ومن الأسلحة التي شهدت إقبالاً وطلباً بندقيّة كلاشنكوف 47 (ماسورة قصيرة المعروفة محلّيًا بلقب "بن لادن") لأنّها كانت دائما تظهر في التسجيلات المصوّرة لزعيم تنظيم القاعدة. وتكلّف هذه البندقية (بن لادن) 3750 دولاراً بزيادة 20 في المئة تقريباً على سعرها في الشهور الماضية، وتجارة السلاح ليست محصورة فقط مع سوريا بل بين اللبنانيّين أيضاً، وخصوصا عصابات الجريمة المنظّمة والمهرّبين".
وكانت السلطات السورية اعلنت قبل شهرين عن مصادرة الجمارك السوريّة شاحنة مبرّدة كانت محمّلة بالاسلحة والقاذفات الصاروخية وبنادق القنص ونواظير الرؤية الليليّة دخلت الأراضي السوريّة من العراق، وبحسب وكالة الأنباء السوريّة "سانا"، أنّ السائق ادّعى انّ عراقيّا دفع له 20 ألف دولار لإيصال الشحنة.
معابر للتهريب
تعدّدت معابر التهريب في الماضي بين سوريا ولبنان، لا بل إنّه تمّ استحداث معابر جديدة أكثر تطوّراً وأكثر سهولة. وإذا كانت وسائل نقل البضائع المهرّبة الى البلدين اقتصرت في الماضي على الدواب والبغال والحمير، فإنّها وفي زمن تطوّر النقل والمواصلات صارت تعتمد على الشاحنات وسيارات الدفع الرباعي.
ويحدّد أحد الضالعين في عمليّات التهريب هذه المعابر كما يأتي: معبر بئر الحديد: يتمّ الوصول اليه عبر طرق ترابية غير معبّدة، صالحة لمرور الآليات والسيارات، وتمتد بطول نحو 6 كلم ابتداءً من ساحة بلدة قوسايا، وتنحرف جنوباً فوق جرود بلدتي عين كفرزبد وكفرزبد، وتتفرّع في منتصفها الى خطّين، الاوّل يتّجه مباشرة الى المعبر، والثاني يؤدّي الى "موقع الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين ــ القيادة العامّة"، فمناطق بئر المعيصرة، عين السبع، جران الكلاب، بيادر العدس، أمّا القسم الثاني من الطريق المذكورة فيعتبر طريقاً عسكريّة تستخدمه عناصر "القيادة العامّة". وضمن الأراضي السوريّة توجد طريقان، الأولى تؤدّي الى منطقة معدر، فجديدة يابوس، أمّا الطريق الثانية فتؤدّي الى منطقة الزبداني، معبر وادي الأعوج، معبر وادي النور.
وثمّة معابر في شتورة منها: معبر وادي عنجر معبر الصويري ــ المصنع، معبر من وادي العمود نحو سهلات عيتا الفخار ــ برك الرصاص ــ جديدة يابوس، طريق وادي المنارة ــ الصويري طريق عيتا الفخار ــ ينطا ــ باب الزراب، بيادر العدس ــ ينطا ــ محلّة وادي أبو الأسود ــ وبقرب هذه الطريق موقع لـ"فتح الانتفاضة" وفي آخرها موقع لحرس الحدود السوري (الهجانة)، بيادر العدس ــ ينطا ــ حلوى ــ محلّة المدافن ــ (وهذه الطريق تجاور مخيّمين لفتح ــ الانتفاضة)، وطرقات جبليّة في ينطاــ أقفل الجيش اللبناني عدداً منها بسواتر ترابية، والبعض الآخر لا يزال مستخدماً… طريق الكسارات في كفرقوق، وتتّجه شرقاً الى موقع شعاب المعيصرة ــ خربة مشمش ــ منقع التفّاحة ــ خلة الواسعة ــ حيث تتمركز قوات الجيش السوري باتّجاه بلدة رخلة السوريّة، طريق المقاطع ولها مسارب عدّة من البلدة، بلدات عيحا ــ طريق المرامل ــ بلدة رخلة السورية، بلدة راشيا ــ طريق الفاقعة شرق البلدة ــ بلدة عين عطا ــ باب العقبة ــ جنعة ــ شبعا، طريق اليابسة ــ جرود جبل الشيخ، بلدة عين عطا ــ محلّة المقاطع ــ باب ابو معيقل ــ سطح جرد جبل الشيخ ــ شبعا الجنوبية ــ بلدة عرنة السورية.
معابر بعلبك
في نطاق بعلبك ــ الهرمل يوجد مخفر القصر (الهرمل) وتتبع له قرى حدودية عدة منها بلدة حوش السيّد علي، وبلدات القصر، وقنافر وداخلها معبر للمشاة، جرماش ــ وادي العرايس، وكلّها في الاراضي السورية، راس بعلبك ــ عرسال ــ يونين ــ وفيها معابر غير شرعيّة، ويوجد على امتدادها ساتر ترابي يعمد بعض المهرّبين الى فتح ثغر فيه لتسهيل مرور بضائعهم، وجرود بلدة الفاكهة ضمن نطاق رأس بعلبك، ووادي مرطبيا ــ العقبة ــ عقبة حليمة ــ القبو ــ وادي جريجير ــ وادي الزمراني ــ عقبة القصيرة ــ وادي العونية الكدش ــ وادي الاعوج ــ المعرة… وهناك الامتداد الحدودي في بعلبك، بحيث تتلاقى الحدود اللبنانيّة ــ السورية في هذه المنطقة عند بلدة نحلة، وهي بلدة حدودية مع الأراضي السورية، ومحاذية لبلدات الجبّة والمعرة والفليطة السورية، وفيها عدد من المعابر غير الشرعية. وهناك معابر طليا ــ النبي شيت وتدخل في اطارها محلّة الشمرة الواقعة في خراج بلدة جنتا، ومعابر معربون وهي من البلدات المحاذية للحدود السورية.
دور فلسطيني
عمليّات تهريب السلاح من وإلى سوريا أو حتّى العراق، تشارك فيها ايضا عناصر تابعة لتنظيم فلسطيني من خلال مراكزه الموجودة على الحدود السورية اللبنانية، وعبر أنفاق من داخل مواقعه العسكرية تصل الى عمق الاراضي السوريّة، ويؤكّد مسؤول امنيّ انّ تقارير ومعلومات اثبتت مشاركة عدد من الناشطين الفلسطينيّين من هذا التنظيم في عمليّات تهريب سلاح الى داخل سوريا لصالح المعارضة لقاء عمولات ماليّة مغرية، وأشار تاجر سلاح يدعى "محمود.ن" من البقاع إلى أنّ كمّية من السلاح الخفيف ابتاعها من مسؤول فلسطيني لقبه "جراح" وجرت عملية التسليم في مرتفعات جردية في منطقة بريتال.
وأكّدت الاوساط انّ الاجهزة الامنية السوريّة فوجئت أنّ معظم السلاح الذي عثرت عليه لدى من تسمّيهم بـ"المندسّين" و"الإرهابيّين"، مصدره مستودعات لتنظيمات وأحزاب حليفة لسوريا في لبنان، وأثبتت ذلك الأرقام التسلسليّة لقطع الاسلحة المصادرة.
وتابعت الأوساط: "منذ مدّة تردّدت معلومات عن سرقة أسلحة وذخائر وقنابل من مستودعات لحركة فتح في مخيّم عين الحلوة، في منطقة بستان اليهودي، وقامت قيادة التنظيم بتشكيل لجنة تحقيق ليتبيّن أنّ المسؤول عن هذه السرقة فرَّ وأنّه جرى بيع السلاح لتجّار فلسطينيّين قاموا ببيعها لجهات مجهولة. وفي نفس السياق ذكرت الاوساط قيام نائب لبناني سابق بمحاولة جمع السلاح من أنصاره كان سبق أن وزّعه عليهم، فتبيّن له أنّ حوالى 85% من هذا السلاح جرى بيعه لتجّار لبنانيّين وفلسطينيّين.
وذكرت الاوساط "أنّ الأجهزة الأمنية السوريّة صادرت كمّيات من الأسلحة منذ أشهر، تبيّن أنّها مسروقة من مخازن لحزب بارز في البقاع، وأنّ نجل أحد مسؤولي هذا الحزب هو المسؤول عن بيعه لتجّار سلاح، وأُجريت تحقيقات مكثّفة في هذا المجال وجرى وضعها في إطار من السرّية المطلقة.
يبقى القول إنّ تهريب السلاح إلى لبنان، هو الأكثر خطورة، لأنّه ربّما يندرج في إطار المعلومات التي تتحدّث عن عمليّات تسليح وتدريب تجري في أكثر من منطقة، ربّما بانتظار الآتي… والآتي اعظم.