لم تكن "مقبرة فسّوح" المكان الملائم لكل هذا الاستعراض السخيف، يقدمه المسؤولون تباعاً عند حافة الموت الرخيص، وحافة الركام القاتل، وحافة الأنين المتصاعد، وحافة القدر الفاجر، وحافة الاحساس المتبلّد، وحافة البلد السائب، وحافة الوطن المقبرة، نعم البلد المقبرة سواء قضى الناس تحت الأبنية المتساقطة او تحت ركام الدولة المنهارة أو في عراء وطن متروك لرحمة ربك الذي في السماء.
تقاطروا، لا بل تسابقوا لتفقّد مسرح الكارثة في فسّوح وطبعاً للافساح في المجال كي يطّلع الناس على ما فيهم، عليم الله، من مشاعر البشر وحس المسؤولين !
لكن لم يكن احد في حاجة لمشاهدة هذا الاستعراض السخيف، الذي حرصت الكاميرات على نقل وقائعه المثيرة للاستهجان، اولاً لأنه بلا معنى وثانياً لأنه اعاق عمليات الانقاذ وثالثاً، وهو الاهم، لأن المسؤولية تفرض ان يسهر المسؤول على تلافي موت المواطنين تحت الابنية المنهارة لا ان يذهب بعد وقوع المأساة ليقف على استعراض الجثث تنتشل من تحت ركام الاهمال والنسيان ثم امام الكاميرات ليعلن أسفاً بارداً بلا معنى مثل ذلك المطر الذي كان ينهمر، ربما لأن الغيوم العابرة أدمعت وعيون المسؤولين لا تدمع!
نعم هكذا، وتحية هنا الى سيدنا الياس عودة الذي حرص على ان يحمل ترانيمه وصلواته وصليبه وان "يتسلل" الى المكان، بعيداً عن الأعين والكاميرات والتصريحات، ليقيم قداس الصمت وجنّاز الاسى عن ارواح هؤلاء المساكين الذين كان مأواهم مقبرتهم احياء وامواتاً، وكم في هذا البلد المتعوس من الابنية والمنازل والمآوي التي تمثل مقابر لحياة عقدت موعداُ مع موت سخيف يكمن في السقوف والجدران؟!
مأساة فسوح ليست الاولى ولن تكون الاخيرة، وتفقّد المسؤولين مسرح المأساة ليس اول الرقص على القبور ولن يكون آخر الرقص، ففي لبنان مئات الابنية المعرضة لتصبح مقابر لسكانها إن بفعل فوضى البناء واهمال الدولة ومؤسساتها، وليس عندنا دولة في الاساس، وإن بسبب ما تعرضت له احياء بكاملها من قصف خلال حروبنا المجنونة، وإن بسبب وقوعنا على خط زلزالي قد يعرضنا لكارثة اسطورية قياساً بالوضع البائس للأبنية المترنحة وبسبب التصدع المزمن في المسؤولين والمسؤولية، وكذلك بسبب غياب الدولة وسقوط هيبة القانون وانعدام المحاسبة وازدهار ثقافة الفوضى وطغيان الفلتان العام والتسليم الضمني للمسؤولين منذ عهود بواقع العجز عن بناء الدولة القادرة.
المأساة الحقيقية ان هذه الدولة هي ايضاً ثمنها 30 مليون ليرة، اي ما يساوي تكاليف دفن ضحية من ضحايا فسوح!