#adsense

الخطاب..

حجم الخط

قد يكون خطاب الأمين العام لـ "حزب الله" في بعلبك قبل ايام، أكثر خطبه هدوءاً في السنوات الماضية، رغم نبرته المرتفعة، وإيغاله في محاولة تعميم الخاص (الديني) وجعله شأناً وطنياً عاماً في بلد شديد التنوّع والهوى والأهواء.

.. عن الشأن السياسي في الخطاب يجري الحديث هنا. وفي ذلك، لاحظ كثيرون (مثلاً) لغة مختلفة جذرياً عمّا سبقها بالنسبة إلى الوضع السوري، وإن ظلّت المواقف الفعلية لصاحب الخطاب وأهل حزبه على حالها وأكثر.. بحيث بدت المقاربة الجديدة والعلنية، الحاضّة والداعية إلى حوار بين المعارضة والسلطة تلخيصاً لقراءات مستجدّة مختلفة عن اليقينيات السابقة الخاصة بصمود تلك السلطة، وبقائها منتصبة في مواجهة "المؤامرة" و"المتآمرين" عليها!

مقاربة انتبهت (ربما) إلى أنّ المشاعر والتمنيات التي أُلبِست ثوب الحسابات الناشفة، لم تُنتج إلاّ شططاً، وأنّ معادلة التحالف المتين والمكين مع النظام في وجه شعب سوريا، لن تؤدي إلاّ إلى تراكم الخراب فوق الخراب والخسائر فوق الخسائر.

.. يشي ذلك الخطاب، بأنّ فهماً أولياً لمضار ذلك الأداء قد بدأ يتبلور، وأنّ العناد في السياسة لا يعني إلاّ الانتحار، عدا عن أنّه لا يساوي شيئاً أمام العناد في الجغرافيا: الجبال تبقى في مكانها والناس تعبُر. والأوطان تبقى قائمة والأنظمة تزول. ولغة المصالح في السياقات العامّة والعلاقات العابرة للحدود تبقى القانون الدائم والثابت. وبنود ذلك القانون لا تتأثر بعلوّ الصوت ولا بخفوته، ولا بالقلوب الواجفة ولا تلك الناشفة، ولا بالمشاعر الجيّاشة والمشتعلة ولا تلك الباردة والمنطفئة.

من تلك القراءات وُلدت كتابة لبنانية، ظهرت في الخطاب وبدت بدورها مختلفة عمّا سبق. وفي ذلك تبخيس لكل مقولات تهبيط الحيطان فوق رؤوس اللبنانيين من تأثيرات الزلزال السوري على أوضاعهم. وهي مقولات لا تني تتواصل، وبعضها (للمفارقة) آتٍ من جهات تهتم فعلاً بدوام الاستقرار، والابتعاد قدر المستطاع عن استيراد مقوّمات "الأزمة" السورية، على غرار المرحلة المديدة السابقة التي قامت وقعدت على استيراد القرارات السورية في كل شأن لبناني!

جاء خطاب بعلبك (مرّة ثانية رغم نبرته العالية) هادئاً بالمعنى اللبناني، وموحياً بنضوج قراءة لا تجد أي مصلحة أو مكسب في شعار "إشعال النار في الدار لإنقاذ الجار"، طالما أنّ شيئاً أيّاً يكن لم يعد مؤهلاً لذلك الإنقاذ، أو لإيقاف الدحرجة المتسارعة لسلطة دمشق إلى الخواتيم المقدّرة.

.. كأنّ "حزب الله" اقتنع أخيراً بمبدأ وليد جنبلاط، أو بمعادلته الدقيقة القائلة باحتفاظ كل طرف بمواقفه من الحراك السوري، وعزل ذلك المُعطى عن سائر شؤون وشجون اللبنانيين، اتفاقاتهم وخلافاتهم، تفاهماتهم وتعارضاتهم!
المعادلة صعبة لكنها ليست مستحيلة. وأَخْذ "حزب الله" بها قد يكون مدعاة لحسبة متفائلة (أو عبيطة لمَنْ يشاء) تقول ببدء اقترابه من الحقائق اللبنانية وأخذها كما هي، بعيداً عن لغة الانقلاب والإلغاء والشطب، والسلاح وسطوته وقمصانه أياّ كان لونها.. والله أعلم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل