#dfp #adsense

«شرعة إسلامية لحقوق الانسان»

حجم الخط

تشكل وثيقة "الحريات الأساسية" التي أعلنها الإمام الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر تطورا سياسيا نوعيّا، ليس فقط في مسار الثورات العربية، إنما على المستوى الإسلامي برمّته. وقد جاءت هذه الوثيقة لتبدّد هواجس البعض من المنحى الذي أخذته هذه الثورات بوصول الإسلاميين إلى السلطة، ولتؤكد أن الأمور تسير بالاتجاه الصحيح، أي إلى الأمام، شرط إعطاء هذا التحوّل الوقت الكافي والمطلوب، إذ ثمّة مراحل لا يمكن القفز فوقها، وعامل الوقت في التحولات المفصلية أمر أساسي.

فليس تفصيلا أن تتضمن وثيقة صادرة عن أرفع مرجعية إسلامية مجموعة مبادئ وثوابت وقيم تشكّل مجتمعة "شرعة إسلامية لحقوق الانسان"، تتماهى وتتطابق مع "الشرعة العالمية لحقوق الانسان"، وهي تصح في كل بلد ولكل إنسان، لأنّ المفاهيم الواردة فيها هي مفاهيم إنسانية جمعاء تؤكد على "حرية الاعتقاد والرأي والتعبير والتسليم بمشروعية التعدد ورعاية حق الاختلاف والمساواة بين المواطنين، على أساس متين من المواطنة والشراكة وتكافؤ الفرص وجمع الحقوق والواجبات ورفض نزعات الإقصاء والتكفير".

ولا يمكن فصل هذه النقلة النوعية في الثقافة الديموقراطية عن مسار الثورات العربية، وما تفرّد به الأزهر سيؤهل مصر في المرحلة المقبلة لقيادة العالم العربي في التغيير، خصوصا أن الأزهر أجرى بحدّ نفسه نقلة كبرى من كونه جهازا من أجهزة السلطة المصرية إلى مرجعية تاريخية لها دورها على مستوى الأمة الإسلامية، مستندا بذلك إلى تجربة طويلة في سياسات الاعتدال والتمرّس في الانفتاح والواقعية السياسية والدفاع عن قرارات الشرعية الدولية، ما يجعله لاعبا أساسيا وإيجابيا في المعادلة المصرية الجديدة وعامل توازن مع الإسلام السياسي، وهذا ما يمكنه من أن يقطع الطريق، باعتباره مرجعية لمجتمع متنوّع يضم مسيحيين ومسلمين في ظل اتجاهات متعددة، على المنحى الذي اتخذته الأحداث والتي كانت تدفع باتجاه ترسيخ وجود مواطنة درجة أولى وأخرى درجة ثانية…

وتؤشر وثيقة الأزهر بوضوح إلى الدولة المدنية ورفض مشروع الدولة الإسلامية، ومن الواضح أن الجو العام الذي انبعَثَ في مصر، سواء في وثيقة الأزهر أو في تشَدّد المجلس العسكري ضد ما يسمى الحكم الإسلامي أو في حيوية المجتمع المدني، هذا كله أثّر في توجهات الأخوان المسلمين، الذين يشكلون ما نسبته بين 40 و45 في المئة، بدفعهم إلى التحالف مع القوى المدنية التي تصنف في المرتبة الثالثة بعد السلفيين الذين باتوا تقريبا لوحدهم. وهذا فضلا عن أن الوجهة المعتدلة للأخوان مردّها أيضا إلى العلاقة القوية التي تربطهم مع الولايات المتحدة، ويكفي في هذا السياق استعادة مواقفهم وتأكيداتهم من المعاهدة المصرية-الإسرائيلية إلى التزامات مصر بكلّ تعهداتها الدولية.

ولذلك، فإن الجهد الأساسي الذي يركز عليه الاخوان هو الانفتاح بشكل منهجي ومدروس، والحالة في تونس شبيهة إلى حد بعيد، لا بل قطعت شوطاً أفضل، خصوصا أن الاكثرية التي وصلت الى السلطة لا تمارس سياسة التفرّد في الحكم، وشركاءَهم من غير الإسلاميين يظهرون ارتياحا ولا يشكون من سياسات الاستئثار وغيرها. وقد أظهرت التجربتين في تونس ومصر أن الإسلاميين لم يُؤسلموا الثورة، ولا يوجد أي محاولة لأسلمة الدولة، والحركات الاسلامية الجدية مدركة أنها أمام امتحان كبير، كونها ستخضع لمتطلبات المجتمعات واحتياجاتها وتطوّرها.

ولا شك في أن التطورات في العالم العربي ستضع الإسلاميين في موقع المسؤولية في قيادة الشأن العام، بينما وجودهم خارج الحكم يجعلهم خارج محاسبته، وبالتالي سيأخذون حكما في الاعتبار أنهم سيخضعون في الدورات الانتخابية التالية إلى المحاسبة على إنجازاتهم، ولا أحد، بالتأكيد، يملك عصا سحرية، وغالبا ما تصطدم "الأحلام" الكبرى بتغيير الكون بالواقع السياسي الذي يجعلهم عاجزين عن تغيير إدارة في مؤسسات الدولة الهرمة.

لقد وضعت وثيقة الأزهر "الأخوان المسلمين" وغيرهم أمام أمر واقع لا يمكنهم تجاهله، وبالتالي باتَ على كل القوى السياسية التعامل مع هذا الواقع الجديد النابع من صميم علّة الثورات العربية الداعية إلى إرساء الحرية والديموقراطية والتعدد والمساواة، ولكن الأهم أن هذه الوثيقة جاءت لتؤكّد رجاحة الإسلام المعتدل والمتنوّر على الاتجاه المتشدد، وتثبت أنّ مقولة "الديموقراطية والإسلام لا يمكن أن يلتقيا" غير صحيحة، لأنّ غاية هذه الديانة في نهاية المطاف، على غرار الديانات الأخرى، هي الانسان…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل