كتبت مي الصايغ في صحيفة "الجمهورية": بحفاوة بالغة، استقبَلنا السفير الروسي في لبنان الكسندر زاسيبكين. حفاوة قابلتها براعة في التهرّب من أي سؤال لا يريد الإجابة عنه. لا يخفي زاسيبكين رغبة بلاده في استرجاع مجدها على الساحة الدولية، ويحضّ سوريا، التي تمرَّس في العمل الديبلوماسي فيها لأعوام خلَت، على وضع حدّ للعنف. ويجدّد رفض بلاده التدويل، مقترحا إعتماد المبادرة الخليجية في شأن اليمن لتسوية الأزمة. وهنا نصّ الحوار:
• ما تعليقكم على ما قيل إنّ مشروع القرار الروسي الجديد في شأن سوريا ليس أكثر من "مناورة" روسية لقطع الطريق على التدخّل الأممي؟
– نريد إيجاد توافق في شأن المشروع الخاص بسوريا في مجلس الأمن، حاولنا مرّات عدة أن نستوعب اقتراحات أطراف أخرى. يوجد ثوابت في الموقف الروسي، ونحن لا نستطيع أن نتجاوزها، ومن بينها التسوية السياسية السلمية، وعدم التدخل العسكري الخارجي في النزاع السوري الداخلي. لسنا نحن فقط من نعارض تدخّلا عسكريا في شؤون سوريا، فالصين والأطراف الأخرى في مجموعة "البريكس" تشاركنا موقفنا.
إنّ التعديلات المقترحة من الدول الغربية ترمي عمليّا إلى التغيير الجذري لمشروع القرار الروسي، والضغط على النظام السوري.
• هل يمكن أن تتفكّك "العقدة الروسية"، في حال طلبت الجامعة العربية إحالة الملف السوري إلى مجلس الأمن؟
– لا نلاحظ آراء موحّدة بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية ونسمع تقويمات مختلفة.
• يقولون إنكم قبلتم بقرار دولي يجيز التدخّل العسكري في ليبيا مقابل دخولكم منظمة التجارة العالمية، ما الذي يمنع أن يتغيّر موقفكم في حال أخذت واشنطن بهواجسكم؟
– الموقف الروسي في مجلس الأمن تُحدّده اعتبارات تتعلق بطبيعة العلاقات الدولية، والمبادئ الـ"جيواستراتيجية" والشرعية الدولية. وليس هناك مجال لأي تبادّلات أو مساومات، أمّا مسألة منظمة التجارة العالمية فهي مستقلة عن الأمور في الشرق الأوسط.
• يقال إنّ موقف روسيا يعود إلى عدم رضاها عمّا حدث في ليبيا، ورفضها لخسارة موطئ قدمها في الشرق الأوسط ومنفذها إلى البحر الأبيض المتوسط؟
– إنّ التجربة الليبية كانت سلبية. وحدثت ترجمة غير صحيحة للقرار الذي اتخذه مجلس الأمن بخصوص العملية العسكرية لحلف "شمال الأطلسي"، ولن نوافق على تكرار ذلك في سوريا. ونرى أنّ التطورات في المنطقة كبيرة، وتركت آثارها على الأوضاع الدولية، من هذه الزاوية، فالمصالح الروسية لا تقتصر على الموقع العسكري أو الاقتصادي، بل تنسجم مع المصالح العليا للمجتمع الدولي، ونريد العمل مع الجميع لإيجاد جدول عمل موحد.
• هل شكّل الفيتو الروسي – الصيني على قرار ضد سوريا في تشرين الأول الماضي بداية لنظام دولي جديد في مواجهة الأحادية الأميركية؟
– من ميزات التعددية القطبية، أننا نسعى إلى إيجاد القواسم المشتركة من ضمن المجتمع الدولي حول اهم التحديات والقضايا في العالم المعاصر، وأفكارنا تتطابق مع شركائنا في مجموعة دول "البريكس"، ونبذل جهودنا للتكامل في إطار "دوَل الرابطة المستقلة" وفي شكل خاص مع بيلاروسيا وكازاخستان، ونجري الحوار مع الأميركيين والأوربيين وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي. ما يحدث اليوم ليس حربا باردة جديدة، بل العالم الآن يدخل مرحلة جديدة، ويشهد تطورات دراماتيكية نتيجة الأزمة الاقتصادية المالية العالمية.
• ألم تسبّب مساندتكم للأسد في سقوط المزيد من الضحايا؟
– نحن ضد سفك الدماء، ولا نستنكر استخدام العنف من قبل السلطات السورية فحسب، بل ندفع دمشق إلى وضع حدّ له، وتطبيق ما جاء في المبادرة العربية. ونحن إذ نشيد بالإجراءات التي اتخذها النظام السوري، من وقف إطلاق النار وسحب المدرعات من المدن وإصدار العفو العام للسجناء السياسيين، ندين في الوقت عينه أعمال العنف من قبل القوى التي تربط نفسها بالمعارضة، وننصح المعارضة بالابتعاد عن المتطرفين المسلحين، والاستفادة من بعثة المراقبين لإقامة حوار وطني شامل، وندرك أنّ التدابير الأمنية غير كافية لبدء عملية التطبيع في شكل فعّال.
• لماذا تعترضون على قرار إرسال قوات عربية؟
– نحن ننتظر نتائج تقرير بعثة المراقبين إلى مجلس وزراء الخارجية العرب في 22 من الشهر الجاري، ونتمنى أن يكون التقرير أكثر توازنا بالمقارنة مع تقويمات الأطراف التي تريد في شكل أو في آخر الضغط على طرف واحد. لن نوافق على إرسال قوات عربية إلى سوريا، ويمكن أن يكون طرح هذا الموضوع كمدخل إلى توسيع التدخل العسكري في سوريا. لن نوافق على أيّ إجراءات يمكن أن تعتبر كخطوة نحو التدويل. لقد نصحنا النظام السوري بقبول البعثة لتوضيح ما يجري ميدانيّا، والمساعدة في تطبيق المبادرة العربية وبدء عملية سياسية، وندعو الى الحوار من دون شروط مسبقة.
• تطالبون المعارضة بالجلوس إلى طاولة حوار مع النظام، وهي ترفض ذلك؟
– نحن لا نتدخل بقرار تغيير النظام، هذا الأمر يجب أن يكون قرار سوريا، لسنا طرفا في النزاع، وندعو جميع الأطراف الخارجية إلى ألّا تشجّع طرفا سوريّا ضد آخر.
• ما صحة الأنباء عن أنّ الحل في سوريا سيكون روسيّاً، وتحت سقف النظام، وارتفاع اسهم المعارض هيثم المناع لأن يكون رئيسا للحكومة السورية المقبلة تحت الجناح الروسي، أو أن يشكل نائب الرئيس السوري فاروق الشرع حكومة انتقالية، وما هي فرص إسقاط المبادرة الخليجية في اليمن على الوضع السوري؟
– أؤكد بكل وضوح أنّ أي إشارات إلى الأسماء غير صحيح. نحن لا نبحث في ذلك، ولا نستبق نتائج الحوار المحتمل. موقفنا المبدئي تشجيع المعارضة والسلطة على الحوار وتحقيق الإصلاحات، ومن ضمنها تعديل الدستور وإجراء الانتخابات. لكنّ المبادرة الخليجية في اليمن مناسبة أكثر لحلّ النزاع الداخلي في سوريا، لأنها كانت من أطراف خارجية متوازنة اكثر ومرنة.
• ترفض موسكو أن يكون لأنقرة نفوذ في سوريا، حتى لو أدّى ذلك إلى الحرب؟
– الموضوع ليس مطروحا بهذا الشكل، كنّا نتبادل الآراء مع الأتراك من حين لآخر، وسمعنا منهم كلاما بأنهم لا يؤيّدون التدخل الخارجي في الشأن السوري.
• تراهنون على أن يأتي التغيير الداخلي في سوريا في شكل يحفظ مصالحكم، ألا تخشَون بدعمكم النظام الحالي الذي اتخذ الغرب قرارا بإسقاطه، إقصاء أنفسكم عن مرحلة ما بعد الاحتجاجات؟
– إننا نرى مستقبل سوريا من وجهة نظر عريضة، وليس من زاوية المصالح الضيقة، روسيا بلد كبير على الصعيد الإقليمي والدولي، ونحن نقيس الأمور من الناحية الاستراتيجية، ونسعى إلى دخول سوريا إلى عصر جديد بأقل الأضرار ومن غير الحرب الأهلية ومن خلال المصالحة الوطنية.
• تستمرون في تزويد سوريا بالسلاح، وسيّرتم أسطولكم البحري إلى قبالة السواحل السورية، الأمر الذي عدّه المراقبون رسالة على عدم قبولكم بعمل عسكري ضد الأسد؟
– ليس خافيا على احد أنّه كان مبرمجا لهذا المشروع العسكري منذ زمن، لكن عندما يحدث أمر مماثل في ظروف معينة، يكتسب بعدا معيّنا. وفي موضوع تصدير السلاح، نحن لا نخالف أيّ قوانين أو معاهدات دولية. ونلاحظ أنّ هناك معلومات تردنا باستمرار عن تهريب السلاح إلى داخل سوريا.
• هل انتقلت عدوى "الربيع العربي" إلى موسكو؟
– نحن نمرّ بمرحلة استقرار سياسي. وتحرك المعارضة إحدى الدلائل على مستوى الديموقراطية في روسيا، والمعارضة أشبه بلوحة فسيفساء سياسية. وتدلّ التظاهرات على أنّ لدى جيل الشباب طموحا لتنشيط مشاركتهم في الحياة السياسية، وأنّ البلد سيستفيد من هذه الطموحات.
• ذكرت الصحف الروسية أنّ وحدات روسية اتخذت موقعها على الحدود مع أرمينيا خشية ضربة إسرائيلية لإيران؟
– الصحافة شيء والمعلومات شيء آخر.لا توجد عندي معلومات عسكرية. نحن قلقون من تطور الأوضاع حول إيران، ونعتبر أنّ الخيار العسكري غير مقبول. لا نزال نعوّل على الديبلوماسية، فهناك بعض المؤشرات لاستئناف الحوار عن طريق مجموعة الست زائد واحد ووكالة الطاقة الذرية.
•هل تتجه المنطقة نحو انفجار أو تسوية شاملة؟
– كديبلوماسي لا أحبّذ التكهنات، ونحن مصرون على العمل لإيجاد الحلول السياسية لكافة المشاكل.