لم يعد السؤال هل يسقط النظام في سوريا؟ بل متى يسقط؟ فقد خرجت سوريا تقريبا عن سيطرة النظام، وتحولت ساحة مواجهة واسعة تمتد من درعا جنوبا الى ادلب شمالا ومن اللاذقية ساحلا الى البوكمال في الداخل. واتى خطاب بشار الاسد الاخير، الذي اعلن فيه صراحة انه ماض في خوض الحرب ضد الشعب، واصفا الثوار بعصابات مسلحة ورافضا الحياد في المعركة، على قاعدة ان من ليس مع النظام فهو ضده ليؤكد بدايات الانهيار. هذه الصورة التي رسمها بشار في خطابه الاخير مصدرها الواقع على الارض، ففي حين يعتبر النظام انه الاقوى عسكريا وامنيا ويدافع عن بقائه بإراقة المزيد من السوريين، خرجت البلاد عن سيطرته. وصار على بشار ان يقتل المئات اسبوعا بعد اسبوع لئلا يسقط. انه واقع احتلالي بامتياز. يذكر بجيوش الاحتلال في مراحلها الاخيرة عندما يسقط جدار الخوف مما يحول السيطرة استحالة دائمة، ويجعل السقوط حتمية.
في سوريا حالة احتلالية موصوفة. وبشار الاسد لا يملك ان يتجاهل هذا الواقع حتى لو كان مرا وصعبا للغاية. فهو يعيس يوميا لحظات سقوط "جمهورية حافظ الاسد" التي ورثها كمن يرث حقلا او بيدرا بأهله! سوريا 2011- 2012 ليست سوريا حافظ الاسد. انتهت هذه المهزلة، وانتهت هذه الكذبة الكبيرة التي يصدقها القابض على الزناد وحده، ويقبل بها الخاضع للمسدس الموجه الى رأسه. لذا يستحيل ان يحلم بشار وبطانته بسوريا يستمرون في حكمها، او بسوريا شبيهة بتلك التي اورثهم اياها حافظ الاسد. كانت سوريا تلك اشبه بالمقبرة المسكونة بالناس. واليوم خرج الشعب ليقول كلمته. بدأت الثورة سلمية، وستتحول مع ايغال النظام في القتل مواجهة مسلحة. وثمة من يعتقد ان الحرب الاهلية قادمة لا محالة بعدما ورط النظام قسماً من العلويين في القتل على قاعدة اقناعهم بأن اي تغيير سوف يؤدي الى اضطهادهم! وفي مطلق الاحوال إن الحرب الاهلية اذا ما قامت فعليا وفي شكل لا عودة منه، فإنها لن تكون في مصلحة من يسيرون في ركب بشار الاسد وبطانته. لقد انتهت تلك المرحلة، وعجلة التاريخ لا تعود الى الخلف. وقد صار بقاء النظام معلقا بموقف روسي لا بد ان يتغير في وقت من الاوقات. وحسب وزير الخارجية التركي احمد داوود اوغلو (خلال زيارته لبيروت قبل ايام) فإن المفاوضات مع موسكو قائمة على قدم وساق حول ملفات تتعدى ملف سوريا او ملفات المنطقة. كل ذلك مع تواتر انباء لم تتأكد تماما بعد تفيد ان الصين تتجه للعودة الى موقفها التقليدي القاضي بالامتناع عن التصويت في مجلس الامن في حال مناقشة قرار جديد حول سوريا. فهل تبقى روسيا وحدها مع بشار في مواجهة السوريين والعالم؟ اكثر من ذلك ثمة من يرى انه حالما يفرغ فلاديمير بوتين من معركته الرئاسية في الاسبوع الاول من آذار المقبل سيكون لموسكو موقف مختلف عما سبق بالنسبة الى الازمة السورية.
في مطلق الاحوال، المهم بالنسبة الينا في لبنان هو ألا يتوهم بعضنا ان بشار باق: انتهى الامر، فاقفزوا من السفينة… وبسرعة !