لم تعد هناك قصّة حرزانة يتسلّى بها جلاوزة اللغة، شتّامو ومفترو الممانعة في لبنان سوى اللغو الممجوج عن أزمة مالية تهزّ الرئيس سعد الحريري وتيار "المستقبل" وكل السياديين والاستقلاليين في ثورة الأرز وقوى 14 آذار.
.. وكأن المعين نضب عند هؤلاء، ولم يعد في اليد إلاّ الغرف من ذلك المعطى وافتراضه أول الدنيا وآخرها. وهم في الحقيقة الأولى والأخيرة، لا يفعلون إلاّ رمي ما فيهم على الآخرين، وإلباس الغير أثوابهم الملطّخة بألف عار وشنار!
على قياسهم يقيسون الأمور. والافتراض الغالب دائماً وأبداً عندهم وفي أدبياتهم وثقافتهم، أن التيار السيادي بازار مفتوح في سوق السياسة، وأن المال يُحدّد منطلقاته وشعاراته وسياساته في تلك السوق!
بخٌ مريض، وفيه هلوسة المفلسين وشعوذة الدجّالين.. إقامتهم الدائمة في تلك المصحّة العقلية أوصلتهم، المرة تلو المرة، الى حصد الريح والأوهام والهزائم، ومن ثم تلوينها ثم تزويقها وتسويقها باعتبارها انتصارات مكتملة بذاتها، لا تشوبها شوائب التزوير والتهويل والتهديد، ولا تزيّتها زيوت الأسلحة وروائح شحومها.
يتناسى ذلك العسس "الفكري"، ويتصرف في ضوء غشيان ذلك النسيان، أن الرئيس سعد الحريري وتياره و14 آذار خاضوا باللحم الحي والصوت العالي في انتخابات تشريعية عامة مرتين متتاليتين وفازوا بهما. وخاضوا في مواجهة غير متكافئة، في قضية السيادة وانسحاب الجيش السوري وإنهاء زمن الوصاية، وفي المحكمة وكل شؤونها وفازوا بها… وخاضوا في الدولة وضرورة قيامها وسيادتها وأحادية قرارها وسلاحها وفازوا في إبقاء تلك القضايا حاضرة لا يزعزعها انكسار الميزان، ولا مواجهة منطقهم بالسلاح وسطوته وروائحه.. ومن يفعل ذلك، كل ذلك، ولم يبخل بحياته ودمه، لا تَعَلقْ عليه وعلى ثيابه مذمّة التعيير بالمال ونقصانه. كما لم تَعلّقْ عليه وعلى ثيابه مرة واحدة، لطخات الاتهامات السافرات التي أُطلقت في وجهه تلبية لحاجات سوق سلطة دمشق وما هو أبعد منها!
معركة غير متكافئة بالفعل، خاضها سعد الحريري على مرّ السنوات الست الماضيات: مدّ يده وفتح قلبه، فمدّوا سكاكينهم وسواد الأحقاد. مدّ أخلاقه فمدّوا فجورهم والشتائم. مدّ حرصه على السلم الأهلي ومشروع الدولة فمدّوا "حرصهم" على إيقاظ كل ما في الدنيا من فتن لخدمة مشروع دويلتهم. فتح صفحة بيضاء فقابلوه بصفحاتهم الصفر وأقلامهم السود وانقلابهم الأكثر سواداً. مدّ أدب الخطاب والحوار والنقاش ونبل العمل لخدمة الناس، فمدّوا العيب وأحكامه، وسفاهة لغة التخوين والسبّ والافتراء والتجنّي والعمل لخدمة ساحتهم وغرضياتهم وبازاراتهم.. ولأنه هكذا سليل ذلك البيت وتلك العائلة ورأسها الذي قضى في غدر، خضّت براءته ونقاوة السيرة والهدف والمرتجى، حساباتهم وسياساتهم.. واقترب موعد القطاف!
ثم بعد ذلك، أو قبله، يكفي الرئيس سعد الحريري فخراً وضميراً وهدأة بال واطمئنان الى ربّ الدنيا وما فيها، ما ظهر منها وما بطن.. يكفيه أنه لم يتاجر بالدم، ولم يفترض مرة أن الناس وأرواحها جزء من مشروعه، ولا يتقدم هذا إلا بتضييع تلك وسفكها.. يكفيه أنه مقيم في أفئدة أهله وليس في جيوبهم. وفي ضمائرهم وليس في جعب مسدساتهم وأغماد خناجرهم. يكفيه وأهله وربعه وتياره وناسه وثورة الأرز و14 آذار، أنهم لم يتاجروا بالممانعة وقضيتها الأولى فلسطين، ولم يجعلوها ورقة تُرمى هنا وهناك لخدمة سلطات وأنظمة تبيّن شيئاً فشيئاً وأكثر فأكثر أنها مافيات مكتملة البنيان، ولا شيء يميّزها لا عن ظواهر تلك البنى ولا عن مضامينها.
يكفي سعد الحريري أنه "يعطي" ولا "يأخذ"، "يقّدم" ليعمّر ويبلسم ويعلّم ولا "يأخذ" الناس وأرواحها وأرزاقها ودولتها ومؤسساتها من مغامرة دموية الى أخرى.
.. ثم هناك شيء اسمه العيب وهذا لا تعرفه ألسنة الأفاعي، بل هي لا تعرف إلا السمّ، تبخّه ولا تصيب ولن تصيب إلاّ حالها!