#dfp #adsense

“الجمهورية”: هل عاد داود أوغلو من بيروت حقّاً؟

حجم الخط

كتب سمير صالحة في صحيفة "الجمهورية": على الرغم من أنّ البعض اختار أن يضع لزيارة وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو الأخيرة الى لبنان عنوان إضعاف وتفكيك جبهة التأييد للنظام السوري هناك، فإنّ أوغلو مُصِرّ على أنّ زيارته المكثّفة هذه تندرج في إطار المساهمة في حماية العلاقات الثنائيّة وتجنيب لبنان دفع ثمن حروب الآخرين ورفض أيّ محاولات للاستفادة من الساحة اللبنانية لتصفية الحسابات الإقليمية وتحمُّله الدائم لهذا العبء.

زيارة تُغيظ البعض وتستفزّ آخرين خصوصا في ضوء المواقف والتحليلات التي قدّمها أوغلو، سواء في لقاءاته مع القيادات، أو مع الاعلاميّين اللبنانيين الكبار.

زيارة نهاية الاسبوع الماضي الى بيروت أيضا وعلى رغم الاعلان عن أنّ هدفها هو المشاركة في مؤتمر منظمة "الاسكوا" حول "الربيع العربي" ونشر الديمقراطية في الشرق الاوسط وتفقّد القوات التركية العاملة في جنوب لبنان، إلّا أنّها كانت زيارة أنجز فيها بنجاح مهمّة عقد أكثر من 10 لقاءات رسمية وخاصة حاول خلالها إقناع كثير من هذه القيادات الروحية اللبنانية المشاركة في مؤتمر حوار الأديان الاقليمي الذي اقترح عقده في اسطنبول.

ما قاله داود أوغلو في العلن هو أنّ زيارته تأتي ضمن خطوات توطيد العلاقات بين البلدين، لكن ما لم يقله هو أنّ بين اسباب الزيارة إطلاع القيادات اللبنانية على القراءة التركية لمجريات التطوّرات الإقليمية أوّلاً، والاستماع الى ما ستقوله مباشرة حول التطوّرات على الساحتين العربية والدولية، والتعرّف عن قرب الى حجم الاضرار والانعكاسات السلبية لمجريات الاحداث على الدور التركي في لبنان والمنطقة ككُل.

داود أوغلو قلقٌ لأنّ لبنان الذي فتح أبوابه على وسعها أمام تركيا للمشاركة في حلّ أكثر من أزمة سياسية وحكوميّة وأمنية عصفت به في السنوات الاخيرة، والذي سهّل لرئيس الوزراء رجب طيب أردوغان ان يأخذ مكانه في الوسط خلال التقاط الصور التذكارية تحت سقف مجلس النوّاب في ساحة النجمة أثناء جلسة قسَم رئيس الجمهورية ميشال سليمان اليمين الدستورية، وتركيا التي وقفت من دون أيّ تردّد الى جانب الشعب اللبناني خلال الاعتداءات الاسرائيليّة على أراضيه وقرّرت إرسال جنودها للمشاركة في القوات الدولية العاملة في جنوبه ووضعت ثقلها المادي والمعنوي في عملية إعادة إعماره، لا تريد أن تعرّض ما بنته من علاقات قويّة مع القيادات هناك للخطر والتراجع.

قرار ثنائي بفتح صفحة جديدة من العلاقات التي ظلّت لسنوات تحت رواسب الماضي بثقله التاريخي ومحاولات البعض اللعب على تناقضاتها وسلبياتها. كم هو عدد البلدان الشقيقة والصديقة التي رفعت عقبة التأشيرات في علاقاتها مع لبنان كما فعلت تركيا؟ ومن هي الدول التي رفعت حجم تبادلها التجاري في فترة قصيرة الى أكثر من مليار دولار.

داود أوغلو الذي جاء هذه المرّة وهو يقول إنّه اطّلع على كثير من صفحات قاموس لبنان السياسي والطائفي ولو لم يكن فعل ذلك لما زار بيروت نهاية الاسبوع المنصرم وعقد خلالها هذا الكمّ من اللقاءات مع الشخصيّات اللبنانية الكبيرة مراعياً التوازن السياسي والديني والرسمي، ومتعاملاً بحذر ودقّة في اختيار القيادات التي التقاها وتحديد مدّة اللقاءات وأماكنها.

داود أوغلو الذي "تروّق" مع أركان السفارة التركية وتغدّى على مائدة القيادات السُنّية وتعشّى عند الموارنة، حاول أن لا يهمل الشيعة في لقاءَين طويلين مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي ورئيس كتلة "الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد، وحرص من أجل ذلك على التعامل بدقة مع الخصوصية اللبنانية، على رغم أنّه لم يزر الشمال هذه المرّة، ولم يقرّر بعد إضافة اللقاء بالقيادات الارمنية الفاعلة على الساحة اللبنانية الى برنامج لقاءاته محاولاً أن يترك هذه المهمّة للذين يعتبرهم من أهل البيت وعظام الرقبة" مثل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط.

الوزير التركي الذي أمضى في لقائه مع البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي نحو ساعتين ناقشا خلالها مسألة حفاظ الطوائف على تقاليدها في المنطقة عموماً وفي لبنان خصوصاً، والضمانات الواجب تقديمها لمسيحيّي الشرق في ضوء التجربة العراقية المؤلمة في تفجير النزاعات العرقيّة والمذهبية، وربّما هذا ما ساهم في إغضاب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ودفعه الى "إعلان الحرب" على تركيا واستدعاء السفير التركي في بغداد لتسليمه رسالة احتجاج ضدّ المواقف التركية وما اعتبرته بغداد تدخُّلاً تركيّاً مباشراً في شؤونها الداخلية، وكأنّ أحداً غير تركيا لا يتدخّل في شؤون العراق اليوم.

وقد استمع أوغلو طويلاً الى مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قبّاني في قراءته للمستجدّات العربية والإقليمية من دون أن ينسى الإشادة بالدور التركي و"القيادات الحكيمة" في أنقرة.

وداود أوغلو تابع حتماً التحليل المسهَب الذي قدّمه رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد الذي تحدّث عن التباين في تشخيص الوضع، خصوصا في البلدان المجاورة للبنان، متوقّفا عند أن التغيير ينبغي ان يكون نابعاً من داخل المنطقة وليس مفتعلا ومستورَدا من الخارج، مذكِّرا بضرورة وقف دعم المسلّحين وتمويلهم على حدّ تعبيره، وهو موقف لم يطلق بالمجّان على مسامع الوزير التركي الذي قدم عرضا مغايرا حول القراءة التركية للموضوع السوري والذي ذكّر دائما بأنّ التباين في وجهات النظر مسألة طبيعية ولن يعني القطيعة، فأنقرة لن تفرط بمثل هذه البساطة بعلاقاتها الاخيرة التي بنتها مع قيادة حزب الله.

وداود أوغلو يتعرّف أكثر فأكثر الى طريقة ممارسة اللعبة السياسية في لبنان على رغم أنّ البعض حاول الربط بين ما قاله رعد وبين الموقف اللبناني الرسمي في تحليل وتقويم التطورات على الساحة العربية.

داود اوغلو لم يذهب الى بيروت ليردّد على مسامع اللبنانيين أنّ من الصعب بعد الآن قطع الطريق على تفاعلات الازمة السورية وأن النظام هناك لم يعد مقبولاً، لا عربياً ولا دولياً، بل ذهب لإبراز ضرورة حماية الداخل اللبناني من الانعكاسات السلبية لمضاعفات الأزمة السورية وهو ما يريده البعض لتصفية الحسابات مع تركيا بعد فشل كثير من الضغوط التي تمارس على القيادة التركية وبكل الوسائل السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والنفسية في محاولة لإقناعها بتغيير مواقفها من الأزمة السورية.

لكنّ انقرة وكما رشح من رسائل أوغلو متمسكة بسياساتها، وهي لا تريد ان تقع مرّة أُخرى في مصيدة ازدواجية المواقف والقفز على الحبال حسب ما قيل في الموضوع الليبي، وهذا ما قاله وزير الخارجية التركي نفسه حين ذكّر الجميع انّ لبنان هو بلده الثاني، وهي عبارة لم يكن ليغامر ويستخدمها على هذا النحو لو لم يكن يعرف حجم المخاطر والأضرار المحدقة بلبنان.

24 ساعة التقى خلالها اوغلو أهم القيادات السياسية والروحية والفكرية اللبنانية لن تكون كافية حتما لإنقاذ مسار العلاقات التركية ـ اللبنانية من تهديدات التطورات السلبية المتلاحقة على الساحتين العربية والاقليمية، لكن تركيا متمسكة بمواصلة ما بدأته حيث لا يمكنها التقليل من جهود سفيرها في بيروت إينان اوزيلدز الذي ارتاح من "عجقة " الطلب على التأشيرات بين البلدين، لكنّ مهمّته ستكون اصعب في الايّام المقبلة امام المشاريع والخطط وفرص التعاون التي اقترحها اوغلو على القيادات اللبنانية وفي مقدمها التحضير للقاء اسطنبول مع هذه القيادات.

ولا تريد أنقرة أن ترى الجهود والمشاريع لتحسين العلاقات وتوطيدها مع لبنان تتبخّر وتزول بمثل هذه البساطة بعد سنوات من خطط التعاون والإنماء التي قادتها مؤسّسة "تيكا" متنقلة بين شمال البلاد وجنوبها. وتريد إحباط مخطّطات افتعال ازمة بينها وبين "حزب الله" تطيح بكل شبكة العلاقات التي أقامتها مع الحزب، وهي أيضا لا تريد ان ترى قوّاتها العاملة في جنوب لبنان رهينة بيَد أحد يساوم على دورها وبقائها هناك، كما انّها لا تريد ان ترى شاحنة محمّلة بالالغام تنفجر قرب مقرّ القوات التركية مثلما حدث اكثر من مرّة ضدّ القوات الدولية التي عملت في لبنان ودفعت الثمن الباهظ قبل رحيلها.

أنقرة تريد استباق الاحداث وقطع الطريق على محاولات تركها في ورطة اقليمية لا تحتاجها في هذه الآونة ويكون لبنان مركزها وتطيح بكلّ ما تمّ تشييده حتى الآن من علاقات مع مختلف شرائح المجتمع اللبناني، وهي معادلة عجز كثير من الدول العربية والغربية على بنائها بمثل هذا الاحتراف والمهارة.

ولا أحد يعرف اذا ما كانت تركيا ستواصل انفتاحها على لبنان وعلى هذا النحو في المرحلة المقبلة، خصوصا إذا ما جاءت حكومة تركيّة بتوجّهات أخرى الى السلطة، لكن يكفي إلقاء نظرة خاطفة على الصحافة اللبنانية في اليومين التاليين لزيارة اوغلو ليتبين حجم الاهتمام المتبادل في حماية هذه العلاقات التي تصرّ دمشق على أنّها هي التي اوصلتها الى ما هي عليه، وأنّها قادرة على إعادتها الى خط البداية ونقطة الصفر ضمن حسابات الربح والخسارة في السياسة التركية الجديدة حيال الأزمة السورية.

فهل سيكون للقيادة السوريّة ما تريد؟ أم أنّ داود اوغلو نجح في إقناع القيادات اللبنانية بالفصل بين القضايا والملفّات الثنائية، وبين الأزمات العربية والإقليمية؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل