كتب طارق ترشيشي في صحيفة "الجمهورية": توحي التطورات المتلاحقة داخلياً، وعلى جبهة الأزمة السورية، بأن الأوضاع اللبنانية مرشحة لأن تمر في خلال شهري شباط وآذار المقبلين في مرحلة دقيقة تفرض على الجميع، أكثرية ومعارضة، التعاطي بهدوء معها، منعاً لحصول أي إضطرابات سياسية، وربما أمنية، في البلاد.
ويقول سياسي بارز في هذا السياق أن الشهرين المقبلين سيشهدا على المستوى الداخلي صدور جملة قرارات إتهامية جديدة عن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، يمكن أن تشهد تفاعلات ومضاعفات من شأنها توتير الأجواء السياسية، في ظل الأداء الرديء للحكومة التي يتوقع أن يطرح مصيرها للبحث لدى بعض "أهل بيتها"، مع إقتراب موعد إنتهاء العمل ببروتوكول المحكمة مطلع آذار المقبل.
وفي هذا السياق لا ينفي قطب أكثري أن مصير الحكومة هو موضع بحث لدى فريق واسع من المعنيين بها من زوايتي استمرارها أو تطييرها، ويؤكد أن اتخاذ القرار بالحفاظ عليها أو إقالتها يبقى رهنا بما سيكون عليه موقف رئيسها نجيب ميقاتي، وكذلك موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من بروتوكول المحكمة الذي تعارض الأكثرية الوزارية تجديد العمل به، وتؤكد أنها ليست في وارد البحث حتى في تعديله، لأنها تعتبر المحكمة "غير قانونية وغير دستورية"، وأنها لا يمكنها بالتالي أن تعترف بها عبر موافقة على هذا البروتوكول تجديداً أو تعديلاً.
وفي الوقت الذي يؤكد بعض أهل السلطة ان المسؤولين لم يبحثوا في ملف بروتوكول المحكمة مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون خلال زيارته للبنان السبوع الماضي، فإن أحد السياسيين الواسعي الاطلاع يكشف أن سليمان وميقاتي اكدا للامين العام للأمم المتحدة أنهما لا يقفا عقبة أمام تجديد بروتوكول المحكمة، مرجحاً أن يشهد هذا الملف مزيداً من شد الحبال والسجال حوله بين أهل الأكثرية عموماً وبين الفريق المعارض للمحكمة، وكذلك بينها وبين رئيسي الجمهورية والحكومة خصوصاً.
وفي حين أوحى بان في بيروت الى ان تجديد بروتوكول المحكمة لا يحتاج الى قرار حكومي لبناني، وأن لديه هو صلاحية تقرير هذه التجديد كون المحكمة منشأة بقرار إتخذه مجلس الأمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. يؤكد معارضون للمحكمة ان البروتوكول هو من مسؤولية رئيسي الجمهورية والحكومة، وهو بالدرجة الأولى من مسؤولية رئيس الجمهورية لأنه اتفاق دولي يدخل ضمن صلاحيته إذ ينيط الدستور به في المادة 52 منه الصلاحية الآتية: "يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة. ولا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء. وتطلع الحكومة مجلس النواب عليها حينما تمكنها من ذلك مصلحة البلاد وسلامة الدولة. أما المعاهدات التي تنطوي على شروط تتعلق بمالية الدولة والمعاهدات التجارية وسائر المعاهدات التي لا يجوز فسخها سنة فسنة، فلا يمكن إبرامها إلا بعد موافقة مجلس النواب".
والى ذلك يؤكد القطب الأكثري إن القرار النهائي في شأن الابقاء على الحكومة أو "تطييرها" سيُبنى على أساس المصلحة السياسية المرحلية للمعنيين الذين سيحددونها، من جهة في ضوء التطورات الداخلية، ومن جهة ثانية في ضؤ التطورات الاقليمية التي تبعث على الخوف من إحتمال نشوب حرب أو حروب في المنطقة بدأت تُقرع طبولها بسبب الملف النووي الايراني والعقوبات النفطية والاقتصادية الجديدة على ايران، فضلاً عن الأزمة السورية والمحاور الإقليمية والدولية التي بدأت تتكون حولهما وباتت تهدد بحصول مواجهات اقليمية ودولية بين المعسكر الداعم للنظام السوري والآخر الداعم للمعارضة السورية.
وعلى رغم من كل ما يجري فإن أي تبدل في المواقف الداخلية الماثلة من الأزمة السورية لم يحصل بعد، فالقوى اللبنانية المؤيدة لدمشق كانت وما تزال تبدي تفاؤلا بأن النظام السوري "سيخرج في وقت ليس ببعيد من الأزمة"، فيما القوى المعارضة له كانت ولا تزال تتصرف على اساس أن هذا النظام "يتخلخل يوماً بعد اليوم وبات آيلا الى السقوط في وقت ليس ببعيد".
وبين هذين الفريقين هناك فريق ثالث يعتقد أن الازمة السورية طويلة وقد تُهدد البلاد بحرب أهلية يمكن أن تحولها "مناطق مغلقة" كل منها تحمي نفسها من الأُخرى في انتظار ان يتوافر حل شامل ربما يكون تحت رعايات عربية ودولية.
ويعتقد السياسي البارز أن الفريق اللبناني المعارض للنظام السوري يُفرِط كثيراً في تفاؤله بأن هذا النظام سيسقط، وفي المقابل فإن الفريق المؤيد له "يُقلل كثيراً من تشاؤمه" إزاء مصير هذا النظام.
غير أن القطب الاكثري يرى أن المخطط الجديد الذي بدأ الافرقاء الاقليميون والدوليون تنفيذه ضد دمشق، يرمي الى تحقيق مزيد من الإثارات المذهبية مقرونة بمحاولات لإقناع القوى اللبنانية والاقليمية المؤيدة للنظام السوري الى الافتراق عنه، وقد عكس وزير الخارجية التركي احمد داوود أوغلو بعض عناوين هذا المخطط مباشرة ومداورة في المحادثات التي أجراها في بيروت أواخر الأسبوع الماضي، موحياً لغالبية الذين التقاهم من قيادات رسمية وسياسية ودينية ان المعطيات المتوافرة لدى انقرة تصب في خط "ان النظام سيسقط في وقت ليس ببعيد"، وأن على الجميع التصرف وترتيب مصالحهم المستقبلية على هذا الأساس. في حين أن بعض هذه القيادات لمس لدى اوغلو ان أنقرة باتت أسيرة موقف إتخذته ضد دمشق ولكنها لم تتمكن من تنفيذه عملياً ولم تعد قادرة على التراجع عنه تلافياً للإحراج.