رفضوا الهجرة خارج حدود الوطن، فتشبثوا بهذه الأرض لدرجةٍ أنهم زرعوا أجسادهم فيها وهم أحياء. واجهوا الموت المحتوم بصدور عارية حتى استقروا تحت حجارة بيوتهم التي يُفترض أن تأويهم وتحميهم برد الشتاء وجنون العواصف لا أن تتدحرج فوق رؤوسهم وتسحقهم غير آبهة بأطفال أو عجزة، بنساءٍ أو رجال، بشبان أو أشبال، بأشقاء أو غير أشقاء، ببشرةٍ بيضاء أو سوداء. فلا تمييز على الاطلاق انما على قاعدة "ظلمٌ في السوية عدلٌ في الرعية".
رحلوا من بيننا قبل أن يتسع لهم الوقت الكافي لمناجاة ربهم.
رحلوا بغفلة من الزمن، بصمت ومن دون وداع.
نعم، بالأمس رحلوا من بيننا ليرقدوا شهداء كِبار بجوار الله وأحضانه.
بمحصلة الأمر هم رحلوا وانتقلوا الى دنيا الحق والى ديار الجنة، أما الذين على لائحة الموت المماثل فهم كثر واللائحة تطول بدءاً من حادثة الطائرة الأثيوبية وصولاً الى سقوط مبنى فسوح وما بينهما، الى الآتي الأعظم ان بقيت حالنا هي هي…
أما أسباب انهيار المبنى يحاول البعض أن يجعلها متعددة ومتشعبة فطوراً يُلقي المسؤولية على عاتق المالك ومرةً على البلدية أو على المحافظ وأخرى على القاطنين وغيرها الى ما لا نهاية.
إنما الحقيقة تكمن في سطور وليس أكثر وفي كلمات لا تُشبه كل ما كُتب أو ما قيل.
الحقيقة مفادها أنه لا يمكن النظر الى حادثة انهيار مبنى فسوح كحادث منعزل أو منفصل، انما هو حلقة من مسلسل تغييب الدولة بكل مؤسساتها والإنقضاض عليها وجعلها مقيّدة حتى تبدو عاجزة عن معالجة أبسط الأمور، فمن يتحدّى الدولة برّمتها ويرفع سلاحاً فوق سلاحها ويشيّد الأبنية على المشاعات وفي الأملاك العامة وعلى الشواطئ وعلى أراضي المطرانيات وفي محيط المطار وكلها من دون تراخيص ولا رقابة، كما يقيم المحميّات ويشيّد المربعات الأمنية ويُخلي سبيل القتلة من السجون.
نعم فمن يقوم بكل هذه الممارسات هو من يتحمّل المسؤولية غير المباشرة وربما المباشرة لأنه عن قصد أو عن غير قصد يظهّر صورة الدولة بأنها مزرعة سائبة لا حاكم فيها ولا محكوم، لا قانون ولا دستور، لا ثواب ولا عقاب انما شريعة الغاب هي السائدة، والغلبة للأقوى، والفوضى باتت هي المعيار لا بل هي القانون، والاستقواء على المؤسسات والتحايل عليها هو السائد، وسرقة السيارات على أيدي عصابات محمية أضحت تجارة مزدهرة، والهدر في الخزينة موسم دائم كما انقطاع الكهرباء دائم، وفي السياق ذاته يُضاف ملف الأبنية المتصدعة الى كل هذه الملفات الزاهرة. فبربكم كيف للدولة أن تدور عجلتها وهي تحمل كل هذه الأوزار، فلتان مستشري وتسيّب مطلق وتآكل لهيبة الدولة لمصلحة هيبة السلاح، فكيف للأمور أن تستقيم؟
أما بالعودة الى جوهر الموضوع وخلال مراسم وداع الأحبة التقيت إحدى السيدات المفجوعات وقد أجهشت بالبكاء وقالت كلاماً عميقاً وكبيراً ومعبّراً للغاية مفاده أنها تخشى على صورة لبنان أن تتشوه نتيجة هذه الكارثة وهي قلقة من مقولة إن لبنان ليس بدولة تطبّق القانون وتحفظ شعبها وأضافت قائلة: لذا أطالب المعنيين برفع لافتة فوق تراب مبنى فسوح وفوق جراحنا تُكتب بلون الدم أي بالأحمر القاني وتقول "هنا سقط الأحبة لتقوم الدولة".
إنها مفارقة العصر، سيدة مفجوعة خسرت من خسرت، تتعالى فوق جراحها وتُحكّم عقلها وضميرها وتعبّر عن خوفها على صورة لبنان خشية أن تهتز أو تتشوه، وبالمقابل آخرون يرسمون عمداً صورة لبنان بأقلام سود لا تُشبه الحقيقة ولا تُعبّر عن الواقع، ويرهنون مستقبل شعب ووطن بمستقبل أنظمة بائدة ومستبدة، ساعين الى تقوية الدويلة وتقويض الدولة.
منطقين مختلفين، منطق السيّدة المفجوعة ومنطق الاقلام السود.
تُرى أيهما صحيح؟ الخوف على لبنان ام اسقاط ما تبقى من لبنان؟
على أمل الاستدراك، وتهيّب الموقف، والعودة بالولاء الى داخل الحدود، والتخليّ عن النخر في عظام الدولة، والبدء بورشة التدعيم والبناء، وإلا سقط الهيكل كما فسوح فوق رؤوس الجميع، عندها لا ينفع البكاء فوق الاطلال ولا الانتحاب فوق الركام ولا السلاح في المخازن ولا الندم على وطنٍ أردناه منارةً رائدة فحولوه مزرعةً سائبة.