باسم غبطة ابينا البطريرك اغناطيوس الرابع وباسمي الشخصي وباسم اخوتي الكهنة اقدم العزاء الى والدي آن ماري وعائلتها، سائلا الرب الاله الذي كان تعزية آن ماري ان يبلسم قلوبهم ويخفف ألمهم. لقد اتصل بي صاحب الغبطة وسألني ان انقل اليكم حزنه على المأساة التي حلت وتعزيته العميقة، وامله ان لا تتكرر مثل هذه الكارثة".
نحن نصلي الآن من اجل راحة آن ماري الابنة المؤمنة التي كان المسيح مركز حياتها وغايتها. المسيح الاله كان هو الذي يسود على كل تصرفاتها وكان همها ان تحصل على رضاه. شوقها الدائم الى المسيح جعلها لا ترى حدود الموت والحياة الآتية. كانت تشعر ان الموت جسر سوف تعبره في لحظة واحدة لكي تتابع حياتها مع المسيح. هنا على الارض هناك عوائق شتى تحاول ان تقف بينها هي المؤمنة وبين المسيح، لكن ايمانها القوي كان يساعدها ويعزيها. وبعد الموت لا حاجة الى الايمان لانها ترى المسيح كما كانت ترى الشمس.
لقد اختبرت الحياة في المحبة ورأت بوضوح الرب المحبوب وكأني بها تصرخ صراخ المغبوط اوغسطينوس: "احبك ايها الرب الهي واتمنى ان احبك دائما، واكثر بكثير لانك انت في الحقيقة احلى من افضل انواع العسل واشهى من افضل حليب واشد ضياء من كل نور، لانك انت لي اغلى من الذهب والفضة ومن الجواهر الكريمة.
كان همها ان تبتعد عن الشر وتنظر الى المسيح الذي بحسب معرفتها يسكب محبته في قلبها ويجعل حياتها صالحة ومبعثا للنور والفرح، وكانت تدرك انها لا تحصل على الحرية ان لم تحرر داخلها من كل اضطراب وهوى، والمسيح وحده يحول الاضطراب والهوى الى فرح، وهو يعتني ويهتم بها ويحترم حريتها ولا يفرض شيئا عليها.
آن ماري، هذه الزهرة التي لم يكتمل تفتحها بعد، قضت ضحية الاهمال. كانت احلامها كبيرة، وطموحها عظيما، لكنهما دفنا تحت انقاض منزلها، ورحلت الصبية الى ملكوت الله الذي كان هدفها الاسمى، بعد ان تكون افضل لاعبة كرة سلة في لبنان، وطبيبة اسنان، كما كتبت بنفسها على استمارة وزعتها الرعية على ابنائها عنوانها "عرف عن نفسك".
محزن جدا فقدان الاحبة. لكن المحزن اكثر اليوم ان الفقيدة في مقتبل العمر، ولم نكن لنفقدها لولا انهيار المبنى الذي كانت تقطنه مع عائلتها. لا اريد ان ألقي باللائمة على احد، لكنني اتساءل كما يتساءل عامة الناس اليوم: من المسؤول؟ وهل حياة الناس اصبحت بهذا الرخص؟ والمحزن المبكي اننا منذ الحادثة الاليمة، لا نسمع الا توقعات عن حوادث مشابهة قد تقع في عدد كبير من المباني القديمة، او في جسور وطرق، ولا نقرأ في الجرائد الا عن شرفات تنهار وبنايات في خطر.
اين الدولة من كل هذا؟ اين البلديات؟ اين الادارات المسؤولة عن الكشف على المباني القديمة و تحديد المخاطر قبل وقوعها؟
من سوء حظنا ان بعض المسؤولين يشكون هم ايضا من رداءة الوضع ويتذمرون من قلة الامكانات. والسؤال الاول الذي يتبادر الى الذهن الا يجدر بالجميع، جميع المسؤولين الى اي طائفة او فئة او حزب انتموا، ان يفكروا اولا في مصلحة المواطن وحياته الكريمة؟ الا يجب عليهم ان يعملوا اولا من اجل تأمين ابسط مقومات الحياة للمواطنين، عوض التلهي بأمور بعيدة كل البعد عن اهتمامات المواطنين ولقمة عيشهم. عند كل كارثة تحصل، يتسابق الجميع من اجل الاستنكار والتحذير واقتراح الحلول. خوفي الكبير، ان تمر هذه الكارثة، كما سابقاتها، وان ننسى التحذيرات والحلول والوعود. اما الامل ففي ان تكون هذه الكارثة الاخيرة انذارا للجميع، لئلا نعاين كارثة اخرى. املي ان تكون درسا لنا جميعا، دولة ومواطنين، كي نعمل بجهد من اجل تلافي حصول كارثة اخرى وفقدان احبة آخرين، ومن اجل ان لا يكون دم آن ماري وكل من قضى تحت انقاض المبنى قد أريق هدرا.
هنا لا بد من التوجه الى المواطنين الذين يقطنون ابنية قديمة من اجل توعيتهم على المخاطر المحدقة بهم وضرورة الانتباه الى اي علامة تصدع في بيوتهم قد تكون سببا في الاطاحة بحياتهم.
"اما مالكو الابنية القديمة، فرغم تذمرهم من بدلات الايجار القديمة، عليهم ان يكونوا اصحاب ضمير واع وان يتعاونوا مع المستأجرين ومع الادارات الرسمية المسؤولة من اجل درء الخطر عن حياة الناس. الانسان اغلى من المال. انه صورة الله ومسكن الروح القدس، وكل مال العالم لا يساوي حياة انسان. وان كان لا بد احيانا من هدم مبنى غير قابل للترميم، قبل ان ينهار على رؤوس قاطنيه، فالاحرى ان يهدم المبنى كي لا يفرط بحياة انسان. التراث مهم جدا، لكن حياة الانسان اهم.
ويا ايها المسؤولون. نحن نصلي في كل قداس الهي من اجل ان يحفظكم الرب الاله ويعضدكم في كل عمل صالح تقومون به. فلا تقصروا في حق مواطنيكم، واتركوا خلافاتكم وسياساتكم جانبا من اجل ان تؤدوا واجبكم، وكدت اقول رسالتكم، على احسن وجه.
انتم مؤتمنون على حياة المواطنين وعلى ارواحهم، وهي مسؤولية كبيرة، فرجاء ضعوا هذه المسؤولية نصب اعينكم واعملوا من اجل حسن تنفيذها، واعتقد ان المواطنين جميعا سوف يلتفون حولكم ويساهمون معكم في بناء هذا الوطن الذي هو وطننا جميعا.
قبل حصول كارثة اخرى، لا بد من مسح الابنية القديمة والجسور والطرق والحفر، وانارة الطرق، وتنظيم السير، وتطبيق قانون السير بصرامة ومعاقبة المخالف كائنا من كان، لان حياة البشر ليست ملكا لمن احترف السرعة في القيادة او لمن اعتاد السير عكس السير توفيرا لوقته، على حساب حياة غيره.
ليكن دم آن ماري ورفاقها امثولة لنا، وحافزا لكي نعمل معا من اجل ان لا تتكرر هذه المأساة.
الى والدي آن ماري ايلي وفافيولا واخويها انطوني وانطونيلا كل العزاء، على رجاء ان يتقبلها الرب الاله في ملكوته السماوي حيث لا وجع ولا حزن ولا تنهد بل حياة لا تفنى. آن ماري تمجد الله الآن مع الملائكة والابرار، اما نحن الباقون هنا فنسأل الله ان يرحمنا ويبعد عنا مثل هذه المأساة وان يجعل وطننا في مصاف البلدان الحضارية الراقية التي تستشرف المآسي والكوارث وتعمل على تلافيها قبل وقوعها، من اجل انقاذ الحياة.
■ عظة القيت في كنيسة مدرسة زهرة الاحسان.