#dfp #adsense

هذا ذعر اليتامى!

حجم الخط

ليس غريبا على الاطلاق ان يعم شيء آخر غير الشعور بالفاجعة والاسى لضحايا بينها عائلات بكاملها اطفأت نور الحياة فيها كارثة يمكن ان تحصل في اي مكان وفي اي لحظة. هذا الشيء الاخر هو ذعر اللبنانيين عند كل مأساة وكارثة يتبين لهم فيها انهم يتامى بلا دولة بالمعايير الدنيا لهيكلية الدولة وبناها.

وهو ذعر نائم، لا يستفيق الا مع الاهوال المفجعة، ولكنه واقعيا يلازم اللبنانيين في كل ثانية ولحظة ويوم من دورة الرتابة المتراكمة. وفي كارثة الانهيار الاخيرة في الاشرفية الدليل القاطع المثبت على هذا اليتم، ليس في ظروف انهيار المبنى وسكانه المنكوبين فقط بل في ما استتبعه من اندفاع مخيف لمجموعة عناوين مشتقة ومتصلة بالحادث وباي حادث مماثل مرشح للحصول. ويكفي وضع قائمة بما اثير من عناوين الملفات ذات الصلة المباشرة وغير المباشرة بهذا الواقع الاجتماعي البائس لابراز الانكشاف المرعب الذي يظلل لبنان المتكيف مع "لا دولة" تديره على امتداد العهود والعقود.

من اللحظة الاولى لوقوع الكارثة، انفجر العنوان المدوي الاول المتعلق بواقع آلاف المباني القديمة. ثم تفجرت تباعا استفاقات على معضلات استعصت على الزمن، من انعدام انماط الكشف على هذه المباني، الى الغزو العمراني العشوائي المفتقد للتنظيم المدني الصحيح، الى المعايير الهندسية في العمران، الى قوانين الايجارات الاشبه بقوانين الانتخابات في جاهليتها وانعدام عدالتها وما تثيره من اضطرابات اجتماعية هي اشبه بحرب مقيمة بين شرائح المالكين القدامى والمستأجرين، الى الشح الهائل في تكوين هيئة طوارىء وتهميش كل ما يتصل بالكوارث الطبيعية وغيرها.

فوق هذا وذاك يسهى عن كبار المنظرين الذين تفتقت قرائحهم عبر الشاشات المفتوحة في لحظة المصيبة، ان في الدول الحقيقية ما يفوق هذه المعضلات اضعافا مضاعفة وان الدول الاوروبية مثلا برمتها هي اشبه بمتاحف عملاقة في قدم مبانيها ولكنها ابتكرت انماطا علمية وحديثة للحفاظ على ثرواتها الجمالية وسلامة مواطنيها.

ولعل اهم ما يسهى عن البال، ان واقع الفساد المعشعش في لبنان، هذا السلطان المحكم سيطرته على دولته وناسه في كل التفاصيل من ادناها الى اعلاها مرتبة، يشكل الخطر القاتل الذي يلاصق الراشي والمرتشي لتسهيل منظومة الاغتيال اليومي للقوانين وتجاوزها والقفز فوقها والتلاعب القاتل بمضاعفاتها. ثم ان اولويات السلطة والمتسلطين عندنا لا تسمح للحكومات المتعاقبة بالنزول الى "القعر"، قعر الناس والفقراء وقعر البرمجة التنفيذية لصرف الاموال على الازمات النائمة بدل الصفقات المجزية لاجيال السياسيين المتهافتين جيلا اثر جيل. فكيف لا نكون يتامى؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل