قوبل انعقاد مؤتمر "الانتقال إلى الديمقراطية" في العالم العربي الذي استضافته بيروت مؤخراً، باستياء لافت لدى بعض أطراف التحالف السوري – الإيراني في لبنان، كما ظهر ذلك بوضوح من خلال ممارسات وتصرفات هذه الأطراف قبل وخلال فترة انعقاد المؤتمر، لأن فكرة المؤتمر ومضمونه وأهدافه تتعارض كلياً مع نهج وتوجهات وطبيعة النظامين الإيراني والسوري اللذين يرعيان هذه الأطراف ويوفران لها الدعم السياسي والمادي والعسكري لتستمر في تنفيذ طموحاتها الاقليمية والدولية على حساب مصالح لبنان وشعبه.
فالمؤتمر المذكور الذي جمع نخبة بارزة من الشخصيات السياسية والفكرية من العالم العربي ودولاً إسلامية، أعاد تسليط الضوء على موقع ودور العاصمة اللبنانية الرائد في إطلاق مسيرة الربيع العربي بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في شباط 2005، وإظهار جرأة أكثرية الشعب اللبناني في الانتفاض على نظام القمع السوري الذي سيطر على لبنان لأكثر من ثلاثة عقود بالحديد والنار وإجبار الجيش السوري على الانسحاب من الأراضي اللبنانية بالوسائل السلمية، بالرغم من حيازته على كل أدوات القمع والترهيب والقتل التي اكتوى اللبنانيون بنارها طوال السنوات الثلاثين الماضية.
والأهم من كل ذلك، فإن المؤتمر المذكور بمراميه وتوقيته وابعاده، اعطى اكثر من اشارة بالغة الوضوح لكل المسؤولين المتربعين على السلطة حالياً، بأن كل الممارسات الترهيبية التي اتبعت منذ عام للانقلاب على نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة بقوة سلاح "حزب الله" وبالتواطؤ مع بعض السياسيين الانتهازيين الذين يدعون التمسك بالديمقراطية زوراً، تتعارض كلياً مع المرتكزات الديمقراطية للنظام اللبناني ككل، ولا يمكن ان تشكل مثالاً او سابقة للممارسة الديمقراطية يحتذى بها على الرغم من "نجاحها" المؤقت او استمراريتها بهذا الاسلوب المشين والمتعارض مع كل الاسس الديمقراطية، وإنما هي حالة شاذة تمر بها الحياة السياسية في لبنان وهي تستمد بقاءها من حالة عدم الاستقرار التي تمر بها المنطقة عموماً وسوريا على وجه الخصوص، في حين تدل كل الوقائع استحالة اعتماد صيغة مصادرة الحياة السياسية بقوة السلاح واستمرار اسلوب الترهيب الذي بدأ يهتز ويضعف مع تسارع تهالك النظام السوري واتساع انتفاضة الشعب السوري ضده ورفض معظم اللبنانيين التكيف معه او الانصياع له.
ومن إشارات الاستياء البارز للتحالف السوري – الإيراني لانعقاد مؤتمر "الانتقال إلى الديمقراطية" في بيروت، مسارعة أركان هذا التحالف إلى تنظيم مؤتمر تحت عنوان "الحوار ما بين الأديان السماوية وبخاصة ما بين الاسلام والمسيحية" في العاصمة اللبنانية وبالتزامن أيضاً مع انعقاد المؤتمر الأوّل، وذلك في محاولة مكشوفة لتخفيف الوهج المحلي والعربي والاسلامي الذي حظي به وتقليص الاهتمام به إلى أدنى حد ممكن والسعي قدر الإمكان لاجهاض الحركة السياسية الفاعلة التي قام بها بعض المشاركين في المؤتمر وخصوصاً وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو باتجاه الوسط السياسي بشكل عام وإعادة تسليط الضوء على الدور الإيراني في لبنان من خلال تولي وزير الثقافة والارشاد الإيراني محمد حسيني رعاية "مؤتمر الحوار ما بين الأديان" والتجوال على بعض السياسيين الذين يدورون في فلك التحالف المذكور، في حين لوحظ بوضوح عدم استقطاب المؤتمر الايراني الاهتمام الذي بلغه مؤتمر "الانتقال إلى الديمقراطية" ولو بحده الأدنى، وكذلك فان عدد المشاركين فيه كان محدوداً ولا يمكن مقارنته بمستوى ومكانة وتأثير وأهمية مؤتمر الاسكوا، لأن هدفه كان محاولة الجانب الإيراني إثبات وجوده وتأثيره وتقوية معنويات حليفه الأساس "حزب الله" في هذا الظرف بالذات، مع اتساع حجم الانتفاضة السورية وتزايد القلق والمخاوف من سقوطه في المستقبل.
ولا شك ان تنظيم مؤتمر "الانتقال إلى الديمقراطية" في بيروت وليس بسواها من العواصم العربية الأخرى التي شهدت ثورات ضد انظمتها في العام المنصرم، وبهذا المستوى من المشاركين وفي ذروة انتفاضة الشعب السوري ضد نظامه القمعي وعدم قدرة اي طرف حليف للنظام المذكور في تعطيله، يدل دلالة واضحة ايضا على اهتمام القائمين على تنظيم المؤتمر، من كل الاطراف الدولية والعربية والاسلامية بلبنان كدولة لها مكانتها الريادية في الانظمة الديمقراطية في المنطقة، بالرغم من كل العثرات والمحاولات المبذولة من بعض دول الجوار للتأثير على هذا النظام واجهاضه ولارسال اكثر من اشارة واضحة وقوية بان كل المخططات والممارسات المبذولة لدفع لبنان ليكون دولة ذات نظام مشابه للنظامين السوري والايراني لن تنجح وان كل مسعى لدفع لبنان ليدور في فلك النظامين المذكورين او يبقى تابعاً لهما سيبقى عاجزاً عن تحقيق هذا الهدف.