كان يا مكان، في قديم الزمان، منذ خمسة اعوام بالكمال والتمام، علاقات سورية – فرنسية جيدة ارتقت الى المرتبات العليا، وكان الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي يتأبط ذراع صديقه الرئيس بشار الاسد، يستعرض وإيّاه الحرس الرئاسي في شارع الشانزليزيه، أمام عيون المجتمع الدولي، وفي حضور اربعين رئيس دولة مشارك في احتفالات 14 تموز الفرنسية، وكان الأمل يراود الرئيسين، الفرنسي يتباهى بقدرته على اخراج الاسد من عنق محور الممانعة، والسوري يبلّغ من على السجاد الأحمر الباريسي من يعنيهم الأمر بأن سوريا ليست بدولة مارقة، بل هي تلتزم بالمواثيق الدولية، اللهم اذا كانت الدول الأعضاء تلتزم بالمعايير الدولية خلال معالجة قضية فلسطين والاحتلال الاسرائيلي.
وازدهرت العلاقات طوال خمس سنوات سمان، أظهر خلالها الرئيس السوري للأوروبيين بأنه ضليع وعريق في الحداثة والعصرية، ونجح بأن يكون عضواً «مودرن» في المنظومة الغربية، فوافق على الرغبات الفرنسية بالابتعاد والانسحاب تدريجاً من المحور الممانع، كما وافق على تكليفه وسيطاً مفاوضاً حول البرنامج النووي العالق بين ايران والمجتمع الدولي، وفي المقابل حصل الأسد على التطمينات والضمانات من نظيره الفرنسي، الذي أقسم بأغلظ الايمان، واضعاً يده اليمنى على قلبه: اسرائيل عندي.
إرتاح الرئيس الأسد كثيراً الى العلاقات الواضحة واعتبر ان بداية الحل للقضية الفلسطينية تبدأ بالخطوة الأوروبية في مسيرة الألف ميل، خصوصاً أن جودة الضمانة الفرنسية هي ذات ثقة عالمية. وضمن هذا الاطمئنان المتبادل، تصاعدت العلاقات الفرنسية – السورية إيجاباً ووصلت الى واشنطن التي ارسلت سفيرها بعد طول غياب وانقطاع، ولامست حرارة العلاقات الشؤون العائلية، فأصبحت مثلاً التذكارات الشامية النحاسية والصناعات الفولكلورية اليدوية التي تشتهر بها سوريا، تتصدر الصالونات في منزل كارلا بروني، كما أن العلاقات بين عقيلات الرئيسين السوري والفرنسي، لم تقتصر على الاتصالات الهاتفية، بل شملت جولات من التسوق الباريسي حيث شاركت في معظمها الشيخة موزه عقيلة أمير قطر، فالكيمياء التي سرت بالشكل الانسيابي، تؤشر الى عمق العلاقات السورية – الفرنسية، لكن كل شيء تغيّر ولا تزال السيدة الأولى كارلا بروني تسأل زوجها الرئيس عن سر الانفصال المفاجىء، علماً أنها لا تزال تنتظر من يحضر لاستلام المشتريات الموضبة من محلات Cidoni La Rizi الشهير.
الانفصال والقطيعة في العلاقات بين سوريا وفرنسا، لهما روايتان: الاولى يرويها الفرنسيون ويستعرضون المراحل، ورواية أخرى يكشف من خلالها السوريون مدى حيرتهم ودهشتهم عن سرّ الاندفاعة والحماسة لدى الادارة الفرنسية لزعزعة النظام واللتين تضاهيان اندفاعة الثوار في الداخل. فالاوساط الفرنسية تعتبر أن النظام السوري هو المسؤول الاول والأخير عن تدهور العلاقات بين البلدين، ويؤكد الفرنسيون أنهم أعطوا الرئيس الاسد في الميادين الدولية دون مقابل، وأخذت فرنسا على عاتقها مهمة ادخال سوريا الى النادي الدولي، بعد أن صنفتها واشنطن دولة مارقة وطليعية في محور الممانعة، ووفق هذه الاتهامات، حاولت الادارة الفرنسية بسعي حثيث الى اقناع الرأي العام العالمي بمدى التجاوب السوري دولياً. وترك الاستعراض الباريسي على جادة الشانزليزيه ابلغ الأثر، وكان الرسالة الاولى الموجهة الى الغرب، بأن سوريا دخلت نهائىاً الى المنظومة الدولية، وتضيف الاوساط الفرنسية: معاً ذهبنا الى الدوحة، ووزعنا السلطات على الأفرقاء اللبنانيين كافة، فخرج اللبنانيون من اتفاق الدوحة راضين على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، ونجح الاتفاق المدعوم بالرعاية والمباركة الدولية والاقليمية في انتخاب رئىس وسطي للجمهورية، ونجح السوريون في تعزيز القناعة في الأذهان الأميركية بأنهم أعضاء فاعلون يتماهون مع المجتمع الغربي.
لكن سريعاً، بدأت العوارض والتأثيرات الجانبية تصيب العلاقات الفرنسية مع سوريا، تضيف الاوساط الفرنسية، وبدأ سوء التفاهم يكبر ليتحول الى أزمة في العلاقات، خصوصاً ان الاداء السوري في لبنان يلفه اكثر من سؤال، حيث فشل الفرنسيون في تفسير التدابير القضائية التي رافقت زيارة الرئيس سعد الحريري الى دمشق، كما ان فرنسا هالها ان يخترق السوريون مع حلفائهم اللبنانيين اتفاق الدوحة، وهم الذين اعتبروه ميزان الذهب الذي يقيس القوى السياسية بميزان وفاقي. لكن السوريين – ودائما وفق المصادر الفرنسية – استعانوا بحلفائهم في قوى 8 آذار، انقلبوا على الاتفاق الموضوع بعناية فرنسية ودولية واقليمية.
وتعتبر الاوساط الفرنسية «الفاول» السوري في لبنان هو جزءاً من كل، ففي الداخل السوري لم يتجاوب النظام مع المناشدة الفرنسية بالانفتاح على مرشد الاخوان المسلمين السابق البيانوني، علماً ان باريس ابلغت دمشق بأن الرجل انسحب من جبهة الخلاص الوطني برئاسة عبد الحليم خدام، كما ان البيانوني عبر بوضوح، عن تأييده للموقف السوري اثناء العدوان الاسرائيلي على غزة في عمليتها الرصاص المسكوب. لكن سوريا لم تتجاوب للرغبات الفرنسية ورفضت استقبال المعارض، الامين العام السابق للاخوان المسلمين، بحجة ان الدستور السوري يدين قضائياً كل من ينتمي الى الاخوان المسلمين.
وتضيف الاوساط الفرنسية أن سوريا لم تدر لنا سوى الاذن الصماء عندما قدمنا لها النصيحة المجانية باطلاق السجناء السياسيين وذلك فور بدء الحراك داخلها، لكن اليوم تحولت النصيحة الى احداث مؤلمة وتحوّل الحراك الى عصيان وثورة مسلحة، وتدريجيا بدأ الفراق الفرنسي الى ان تحولت فرنسا الى رأس حربة في مجلس الامن، تستميت لاصدار قرار يدين فيه الرئيس الاسد الذي كان ولا يزال يعتقد ان الصداقة دائمة ومستمرة في السياسة، وهو لم يصدق بأن الرئيس ساركوزي يغدر بالعلاقات التي رممها الاسد بقناعة وصدق، لكن الرئيس الفرنسي المؤىد للسياسة الاميركية، مؤمن بالطريقة التي تعتمدها واشنطن ولا علاقة له بالقومية الفرنسية التي آمن بها شارل ديغول وجاك شيراك.