بعد أيام يصادف مرور سنة على اندلاع الثورة المصرية. وقبل أيام، احتفلت تونس بالذكرى. وكذلك بعد أسابيع، ستلتقي الثورات الليبية واليمنية والسورية شقيقتيها في ميادين بورقيبه والتحرير.
أربع ثورات خلعت طغاتها. ثلاث، بأحداث دموية. لكن بتحركات سلمية. (تفاوت في العنف)، ورابعة ليبية كانت حرباً بين قوى النظام والمعارضة. النتائج المباشرة صبت (في الاستحقاق الانتخابي) وصول الإسلامويين إلى الحكم. في تونس تَمّت اتفاقات ووزعت المناصب والأدوار على القوى التي تنازعت الانتصار، من علمانية، ومدنية وليبرالية واسلاموية. في مصر حصد الأخوان والسلفيون أكثرية المقاعد البرلمانية وبدت القوى الأخرى، من قومية، وليبرالية وتقليدية في المؤخرة. عدا ان شبان الثورة الذين صنعوا الثورة ما زالوا الخميرة الحية في ميدان التحرير. من دون أن ننسى بروز "شهوة" العسكر إلى الاحتفاظ "بالمواقع" المعروفة من حيث السلطة، ومن حيث "الحصة" الاقتصادية وكذلك الدستورية. أما الوضع السوري وهو الأطول والأعنف والأشرس فما زال عنفه بين النظام وعسكره وشبيحته من جهة، وبين الثوار والجيش الحر من جهة أخرى. السؤال: هل توحي هذه الخريطة السياسية ما بعد الطغاة" الاحباط والقلق والتشاؤم كما قرأنا عند بعض الكتاب والإعلاميين والمثقفين العرب وغير العرب، أم هي انطلاقة جديدة بكل تناقضاتها ومفارقاتها وتراكماتها.
القوى المضادة للثورات يشاركهم العديد من معلقي الآمال على "الربيع العربي" بدأوا يعبرون إما عن "شماتة" وإما عن إعلان "الفشل"، أو قلق أو عن خيبة أمل. كأن يقول "المضادون" انها لم تكن ثورات، وإذا كانت كذلك فقد خسرت رهانها، السياسي والديموقراطي بوصول السلفيين والإسلامويين إلى السلطة. فأي "ثورة" هذه "تزعم" انها خلعت "الطغاة" لتأتي بمثلهم أو بأسوأ منهم. وأي ثورات رفعت شعارات الحرية والديموقراطية، ثؤدي إلى عكسها؟ بل وصل الأمر ببعض المراهنين على الثورة إلى رفع أيديهم وتبيين "يأسهم" باعتبار أن القوى الدينية إذا ما وصلت إلى السلطة، فلن تتركها أبداً كما حصل في إيران، ولن تشارك أحداً في الحكم وستعمل على الاستفراد وتغيير الدساتير في ظل "مرشد" هنا، أو قائد هنا يعيد عهود الحاكم الواحد، و"الأخ الأكبر" الواحد، على غرار القذافي أو صدام حسين أو بن علي… أو بشار الأسد أو علي بن صالح أو حسني مبارك. استبدال الزي، فقط، والشعارات، والمعنى واحد: دكتاتورية أخرى بلبوس آخر.
قد تكون اشكال القلق هذه مبررة بعد نتائج الانتخابات (والفوضى في ليبيا)، وقد تتضمن نظرة مستقبلية سوداء، تنفي كل ما حدث. وقد تكون كذلك رؤية "قريبة" النظر لا تحسب اننا نعيش في زمن آخر، غير زمن النصف الأول من القرن العشرين الغربي، والنصف الثاني العربي، حيث كان للانقلابات أقنعة "الثورة" وحيث كان للثورة وجهة الاستبداد: الحزب الواحد، الطاغية الواحد، وصولاً إلى العائلة "المقدسة" الواحدة، والتوريث الجمهوري ويعني ذلك، اعدام كل ما أفرزته هذه الثورات ونفي كل انجاز من انجازاتها وقد قرأنا ان بعض المثقفين والمثقفات بدأوا يُحمّلون "زملاءهم" المرحبين "كثيراً" بالثورات مسؤولية ما وصلت إليه الأمور. عال! ولكن اذا تجاوزنا هذه "الولولة" والندب والنواح فيمكن ان نشير إلى العناصر الجديدة التي وضعتها هذه الثورات والمتصلة بعلاقات راسخة من الظروف الراهنة:
1 ً إذا كان السلفيون والدينيون ربحوا الشارع الانتخابي فعلينا الا نستثني هؤلاء "المثقفين" أنفسهم وسواهم من المسؤولية اما لانفصالهم عن الواقع والناس وإما لوقوعهم في لغة "اللاهوت" والاستفقاه واللاتاريخ والفردية المريضة والبرج عاجية والمنافع والاشكالية. تاركين الساحة للطغاة من جهة وللقوى الاجتماعية المسحوقة من جهة أخرى. عدا ارتباط بعضهم بتلك الأنظمة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
2 إن النتائج الانتخابية ليست النهاية بل البداية. ولا نقول ذلك من باب "التفاؤل" بل انطلاقاً من هذه الثورات أوجدت واقعاً جديداً يتمثل بتحرير الشارع من القبضة الأمنية وبكسر عزلته عن الناس الاحتجاجيين، والمنتفضين. فالشارع العربي بما فيه المدن والبلدات والدساكر كان محرماً على الجميع. كان الخط الأحمر الممنوع تجاوزه من قبل أي تظاهرة أو تعبير. كان خارج الناس ونظن ان هوية الشارع هذه قد تحولت بشكل جذري، وما عادت تنفع في قمعه لا المخابرات ولا الجيوش ولا البلطجية ولا الشبيحة. وهذه نقطة جديدة بالنسبة إلى الأمكنة، وسحرها و"عجائبيتها" و"عبقريتها".
3 الزمن الفائت على امتداد أكثر من ستة عقود، كان زمن "التعتيم"، زمن "السر" والأجهزة السرية التي تعمل من دون إدراكها لا بالصوت ولا بالصورة. ونتذكر انه عندما ارتكبت المجازر في حماه في الثمانينات لم يعرف العالم عنها شيئاً. وحتى اليوم ما زالت "وقائعها" مخفية. القتل سراً، والقمع سراً، والمجازر سراً، والسجن سراً، و"الشعب" نفسه سراً. (كان الشعب يبدو وكأنه يشبه الأنظمة، أو هكذا "ظهّرته" هذه الأخيرة).
اليوم، هو وقت الشفافية، مزامنة الخبر والصورة بالواقع والحيثية والحدث. صار كل شيء في العلن وهذه طعنة نافذة في سلوك الاستبداد. ما عاد في امكانه إخفاء جرائمه، ومؤامراته، وعنفه. صار مكشوفاً. اذاً تحرّر "الخبر" كالشارع وكالمدينة. والزقاق والصوت. وهذا يعني ان الفضاء المفتوح (بالتكنولوجيا والفيس بوك، والتويتر… والهاتف المحمول) صار ملكاً للجميع، بحيث بدت وسائل الاعلام الرسمية تنتمي إلى عصر "الصمت" والتقصير واللاوصول، واللافاعلية. انه الواقع المتحول على شاشات وأسلاك بلا حدود. وهذا أدى إلى مزيد من حرية التواصل بين الناس والمنتفضين وإلى انحسار الأنظمة ومسؤوليها وتعبيراً عن عجزها المتنامي في مصادرة الخبر، وتشويهه وتسويقه. فمئة شارع صار "تعددياً" إلى إعلام يشبهه.
4 هذه "الظواهر" الجديدة ساعدت على اختبار المعطيات الجديدة عند المنتفضين، بوسائلها وادواتها فبدت متحررة ايضاً من الخطاب القديم الجامد، ومن مصطلحاته، ومن نبراته النمطية، ومقاربة الوقائع بطزاجة على الأرض، وفي مواجهتها اليومية.
أي ان المواجهة لم تعد موسمية بين "محتجين" وسلطة. وانما يومية، على مدار الساعة، وميدانية. لم تعد الكتب هي التي تصنع الواقع (كما في العصر الأيديولوجي) وانما الحياة نفسها، الملموس. والمرئي. صار الحُلم يومياً. صار مكاناً للخطأ. وتصحيحه للنجاح وتعميقه. للانجاز وتكريسه.
5 هذه النظرة المتحولة الطازجة تناقض النظرة الستاتيكية الجامدة (التي ما زال بعض المثقفين أسراها) التي "تؤبد" المواقف والطبائع والمواقع. واذا افترضنا جدلاً أن "الأخوان" والسلفيين، سيتفردون بالسلطة، ويستبدلون أنظمة أحادية بأخرى مثيلاتها، واكتفينا بهذا الشق، فيعني اننا ساوينا بين الماضي والحاضر، أي حكام يستبدون وشعب يقبل ويتفرج ويخضع واننا تغافلنا عن كل جديد، وانضممنا إلى النظرة المتحجرة التي عشناها مع "الأنظمة الأبدية" نقول أكثر: ان اقتناعنا بأن فوز الأخوان والسلفيين هو نهاية المطاف، يعني أننا اوصدنا على أنفسنا كل احتمالات المواجهة أو الانخراط في صراع طويل. (ومن قال إن الثورة تعلن مرة واحدة وإلى الأبد؟). ويعني كذلك نفينا عن أنفسنا أي دور محتمل فاعل لنعود كما كنُا مجرد احجام وأوزان وأجسام معطلة ولاهوتيين وصوفيين ومستفقهين ومنعزلين، لنُوافي نظرية "نهاية التاريخ" مع إعلان نتائج الانتخابات في تونس ومصر مثلاً.
6 في اعتمادنا هذه النظرة "الجامدة" ننفي حركة المجتمعات وتحولاتها وعصريتها وتحررها. فالثورة لم ينفذها العلمانيون والليبراليون والديموقراطيون، وحدهم، بل القوى المستقلة والدينية الأخرى. ومشاركة هؤلاء الأخيرين في جبهة واحدة مع الذين يختلفون معهم فكرياً، تعني بداية حراك اجتماعي سياسي- تعددي، قائم على الاختلاف، وليس على الأحادية. وهذا بالذات يوحي أن القوى الدينية "المنتصرة" ليست نسخاً مطابقة للظواهر المتطرفة والسلفية القديمة. فلماذا علينا أن ننفي أي صفة تغييرية عن هؤلاء الذين رفعوا شعارات الحرية والديموقراطية والتعددية، حتى ولو كان هؤلاء "برغماتيين" أو "انتهازيين" سرقوا الثورة هنا أو خطفوها هناك، فهم وفي ظل الوقائع الجديدة لا يستطيعون ان يحكموا وحدهم. لم يعد في إمكانهم أن يعيدوا "التاريخ" إلى الوراء. وإذا حاولوا إعادته، فسيكون سقوطهم محتماً، لأن العمل من خارج السلطة شيء وداخلها شيء آخر: في الحالة الأولى يبدو الكلام "غير سياسي" بالمعنى المباشر أي شعاراتي فقهي، وفي الحالة الثانية هناك المسؤولية، والاقتصاد واللقمة والوضع المعيشي… والعلاقات الخارجية … والدولية…
7 بتنا اليوم نعيش زمناً سياسياً. (والصراع السياسي كان محرماً في ظل الأحاديات الحاكمة) وهذا يعني ان كل جهة، أو فرد، أو حزب أو جماعة صارت مسؤولة أفكارها، وممارساتها؛ والشعب الذي تذوق طعم الحرية والمحاسبة والنقد، لن يكتفي بعد الآن بالتفرج والسكون والسكوت والإشكالية وبالروح والدم… والخوف والانكفاء. وهنا بالذات المعنى العميق للثورات العربية. فلا "القوى" الدينية المنتصرة قادرة على "التجمد" في مواقعها السابقة، ولا القوى الديموقراطية قادرة على الاستمرار في تبنيها خطاباً ثابتاً أو ممارسة تقليدية.
8 هناك واقع جديد. وانفاس جديدة. وقضايا جديدة. وفي المقابل هناك قوى جديدة (في السلطة) وأحزاب جديدة. يعني ذلك ان من يتخلف عن فهم الواقع، ومتطلباته وإشكالياته وحيثياته واحتمالاته وحاجاته فلن يكون له لا وقع. ولا موقع. لا من جهة الاسلاميين ولا الليبراليين. الدينامية الشفافة لطبقات الحياة الواقع (والمجتمع وفروقاته) هي الفعل الفكري والسياسي القادر على التحولات، تحت سقوف الحرية والعدالة والديموقراطية. الدينامية الحالية مقابل الستاتيكية السالفة. هنا المعيار الأساسي لصراع التعدديات الثقافية والسياسية وحوارها وجداليتها وتفاعلها.
9 ومن تلك الديناميات الساطعة ثوار ميدان التحرير الذين يشكلون اليوم، الضمائر الحية للمجتمع المصري الجديد. وكذلك الحركات الشبابية التي ما زالت في تونس واليمن على هامش "الاصطفافات" والمحاصصات. فهؤلاء بإصرارهم الواعي، وبنقائهم سيكونون بالمرصاد لكل انحراف عن أهداف الثورة ولكل مساومة على أحلامها ولكل محاولة لإرجاع الزمن إلى الوراء. فهم ما زالوا ممسكين بالشارع أي بالحرية. والديموقراطية.. والحلم. وهذا لا يعني سوى أن كل شيء في بداياته… وان الواقع لا يحمل لا على سوداوية. ولا على نظرة أبدية، ولا على استقالة المثقفين والثوار من أدوارهم.