"العتب ـ الإنذار" السوري يُدخل لبنان حزام النار
ورئيس الجمهورية يتصدى للتشبيح الديبلوماسي
هل دخل لبنان دائرة الضغط الأمني السياسي المباشر من قبل النظام السوري بعد "العتب" الديبلوماسي الذي وجهه سفيره في بيروت علي عبد الكريم علي؟ والذي يوازي في الترجمة العملية إنذاراً بالخط الأحمر العريض، بعد سلسلة وقائع روّجت لها الآلة الإعلامية للنظام على أنها انتهاك لخصوصية العلاقة اللبنانية السورية ولوضعية التحالف القائمة مع قوى الأغلبية الحكومية، التي يفترض أن تشكل مساحة دعم لنظام دمشق في هذه المرحلة الصعبة التي يواجه تحدياتها الداخلية والإقليمية.
هذا السؤال بات يفرض نفسه في ضوء عملية التسخين التي أطلقها مطبخ النظام السوري عبر سلسلة تسريبات تضمنت تشريحاً لوجهة نظر النظام في الوقائع والمناسبات التي شهدتها الساحة اللبنانية، وخاصة زيارتا الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ووزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، باعتبارهما زيارتين معاديتين لنظام الرئيس بشار الأسد، فضلاً عن تفصيل مآخذ على حكومة الرئيس نجيب ميقاتي لجهة ضبط الحدود ووقف ما تتحدث عنه السلطات السورية من تهريب للسلاح عبر الحدود..
واللافت للانتباه هنا أن المصدر السوري المطلع والمأذون والمهدد والمتوعد، وجد طريقه إلى عدد لا بأس به من مواقع الإعلام اللبناني، التي نشرت "وجهة النظر" التهديدية للنظام، من دون نقاش أو ردٍّ، بل بتواطؤ البعض عندما تبلغ وقاحة النظام حدّ رفض تقديم المساعدة الإنسانية للاجئين السوريين الهاربين إلى لبنان بأرواحهم وكرامتهم.. واعتبار ما تقوم به "الهيئة العليا للإغاثة" مناقضاً للمصلحة السورية اللبنانية.
فقد اعتبر المصدر السوري أن "تعاطي الحكومة اللبنانية مع اللاجئين السوريين، في الشمال خصوصاً، وصرف الأموال لهم عبر "الهيئة العليا للإغاثة"، يعتبر تشجيعاً لنزوح هؤلاء ولمن يريد أن يقتدي بهم.
وفي هذا الإطار ينقل المطلعون على موقف النظام أنه حرّض أتباعه بالقول: كيف تسمحون بأن تهبط طائرة إيطالية محملة بالأدوية في مطار بيروت، وتوزع حمولتها على هؤلاء اللاجئين؟ لافتاً إلى أن ذلك يعزز شكوك النظام بتشجيع اللاجئين على دخول لبنان.
فهل أصبح تقديم الإغاثة الإنسانية بحدودها الدنيا تحريضاً على اللجوء؟ وهل يحتاج المضطهدون في سوريا إلى من يحرضهم للخروج من الجحيم الذي يكتوون بناره ويدفعون حياتهم على طريق الفرار منه أو الوقوع تحت حصاره؟ وكيف يمكن قبول نقل مثل هذا الاستهتار بالحياة الإنسانية على صفحات بعض الصحافة اللبنانية؟
إلا أن الأسوأ في سلسلة التسريبات السورية نقل بعضهم عن مصدر سوري أن "العتب يُبلّغ مرة واحدة"، بمعنى أن المرة القادمة ستشهد معاقبة النظام للبنان إذا سمحت حكومته بحصول زيارات مثل زيارتي بان كي مون وأحمد داوود أوغلو، بل يذهب هذا المصدر إلى تحذير الرئيس ميقاتي من زيارة فرنسا، التي يصنفها نظام الأسد على أنها خطوة باتجاه دولة تقف رأس حربة في وجهه، وبالتالي فإنه يضغط لتعطيل مفاعليها أو إلغائها إذا استطاع.
ولم تخلُ رواية المصادر السورية من رائحة المؤامرة، حيث قال بعضها إن مؤتمر الربيع العربي الذي ألقى فيه بان كي مون كلمته كان مقرراً عقده في اصطنبول، ثم استبعده الأتراك لإغاظة النظام السوري الى بيروت، وان ثمة مَن في داخل الحكومة من سهّل نقل المؤتمر إلى العاصمة اللبنانية ولم يفعل ما ينبغي للحيلولة دون تحول بيروت إلى منبر لتوجيه الرسائل إلى الرئيس الأسد.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل وصل العجز بحلفاء سوريا حدّ عدم قدرتهم على حماية نظامها من هجمات بمستوى ما قاله الأمين العام للأمم المتحدة، ولماذا اقتصر الاحتجاج على مواقفه على وفد متواضع سلم رسالة إلى مقرّ الأمم المتحدة في بيروت وبعض بيانات الاستنكار التي لم تتعدّ الفولكلور السياسي وضرورة تشكيل المشهد المعارض للزيارة الأممية لكن بحدودها الدنيا..
والأخطر من ذلك إلقاء النظام تبعة فشله الأمني على خاصرة الحدود اللبنانية، والادعاء بأن عناصر الجيش السوري الحر التي واجهت شبيحة الأسد في الزبداني إنما جاءت من الجانب اللبناني للحدود، وتظهير ما ادعى التلفزيون السوري الرسمي أنها اعترافات لأحد مهربي السلاح ويدعى عاصم محمد نديم المسدي الذي لم يعطِ في اعترافاته التي جاءت ليحاول من خلالها النظام السوري إثبات وجود تهريب سلاح من عرسال، فلم يقدم المهرّب المفترض سوى ألقاب لأشخاص يستحيل التأكد من وجودهم، مثل "أبو عويّد" و"أبو سالم"، وعن مصدر التمويل لم يكن أمام المهرّب إياه سوى أن "يتوقع أنه من دول الخليج". وكان واضحاً أن عرض هذه "الاعترافات" لم تكن أكثر من رسالة تأكيد كيدية على استهداف عرسال وأهلها بعد اتهام وزير الدفاع فايز غصن لهم بالإرهاب..
رئيس الجمهورية يرفض الإرهاب السياسي
لم تمضِ 24 ساعة على "العتب الإنذار" السوري للرئيس ميقاتي حتى كان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان يصدر موقفاً أخذ شكل التضامن مع رئيس الحكومة وحمل ضمناً الرفض القاطع لسياسة "التشبيح" والتسلط التي عاد النظام السوري إلى ممارستها على لبنان عبر سفيره في بيروت، لأن ما قام به هذا السفير يعتبر خرقاً لكل الأعراف الديبلوماسية، فضلاً عن أنه إجراء غير لائق بين بلدين تربطهما العلاقات المميزة.
فقد اعتبر الرئيس سليمان أنه يحق لضيوف لبنان أن يقولوا ما يريدونه، وأن بان قال كلاماً في الخارج أقوى مما قاله في بيروت، مشيراً إلى أن ما قاله الأمين العام لم يجر الحديث عنه في الغرف المغلقة، وأكد أن لا بان ولا وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو طلب شيئاً محدداً من لبنان، أو يتعارض مع السيادة اللبنانية، مؤكداً حرص لبنان على عدم انطلاق عمليات على سوريا من لبنان..
أما رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، فإنه لم يعد يستطيع تجاهل مخاطر التهديد الذي مثله "عتب" السفير السوري، وإذا كان يعتقد أن حصانته وحمايته تكون بالسكوت على مثل هذه الممارسات، فإن المنطق يقول إنها بداية طريق الاستهداف والإحراق المباشر، والحصانة من هذا كله يكون بالاستمرار في انتهاج السياسة الإنسانية التي طالما ميزت لبنان، فكان ملجأ الخائفين والمضطهدين، من مسيحيين عموماً وأرمن خصوصاً وفلسطينيين وعرب قصدوه عاصمة للحرية والثقافة.. وعلى هذا الوجه للبنان يجتمع أغلبية الشعب اللبناني.
في المقابل، تطوع وزير الخارجية عدنان منصور لتقديم موقف مساند للنظام السوري في ردٍ غير مباشر على رئيس الجمهورية عندما قال "ان اختيار بعض فصائل المعارضة المواجهة ولجوءها إلى قوة السلاح وضرب المؤسسات المدنية والعسكرية، يجعل الحوار أمراً صعباً وغير ممكن، إذ يزعزع الأمن والاستقرار والوحدة لسوريا"، متجاهلاً شهور القمع الطويلة التي أدت في النهاية إلى حمل السلاح دفاعاً عن الأنفس والأعراض والكرامات، وغاضّاً الطرف عن إرهاب النظام المتمادي بحق الشعب السوري..
أما الإشكالية الكبرى التي وقع فيها حلفاء النظام السوري، فهي هجومهم الحاد على وزير الخارجية التركي داوود أوغلو وكيل الشتائم بحقه وبحق بلده، بالتوازي مع قيام رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد بعقد اجتماع، أعلن بعده الاختلاف حول الموقف من الملف السوري، والتمسك بالتواصل والاستعداد لعقد لقاءات أخرى.
فلماذا التحامل على تركيا ودورها، إذا كان "حزب الله" يدعوها إلى التعاون مع إيران لحل الأزمة السورية، وهل هذا التضارب هو تمايز بين أتباع النظام السوري وبين الحزب والسياسة الإيرانية في لبنان؟ِ
أسوأ ما قرأناه في الرسائل السورية ما نقله البعض عن نفاد صبر النظام السوري تجاه لبنان وأن المرحلة المقبلة ستشهد ردوداً شاملة، سياسية وأمنية على حدٍ سواء، فإذا كان الغرض من هذه الرسائل إرهاب اللبنانيين، فتلك مصيبة، وإن كانت تمهّد لعودة القتل والاغتيال والتفجير فالمصيبة أعظم، لأن البعض في لبنان يرضى لنفسه أن يكون قناة لإيصال رسائل القتلة والشبيحة والمجرمين!
في المقابل، يجدر بباعثي رسائل الموت أن يتذكروا أن سلسلة القتل التي بدأوها باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ثم بقية شهداء الحرية والاستقلال، لم تزد الشعب اللبناني إلا إصراراً وتماسكاً وصموداً، ولن تزيد النظام إلا غرقاً في دماء الأبرياء، التي لن ترضى بأقل من الانتصار في النهاية.
