#dfp #adsense

هل «الخيار الشيعي الثالث» قادر على فرض نفسه؟

حجم الخط

تُحمِّل المعارضة الشيعية قوى 14 آذار ولا سيّما تيار «المستقبل» مسؤولية إجهاض قيام خيار شيعي ثالث في موازاة ثنائيّة «حزب الله» و»حركة أمل»، وهي تعتبر أنّ «الخطيئة الأصليّة» بدأت مع التحالف الرباعي وما نتج عنه برلمانيّا وحكوميّا واستمرّت مع حرب تمّوز بحَصر التعويضات بالثنائيّة المذكورة أو بواسطتها وصولاً إلى الرهان «غير الواقعي» على رئيس المجلس النيابي نبيه برّي بفَك تحالفه مع الحزب.
 
قد يكون ما تقدّم صحيحاً، وهذا فضلاً عن عوامل أخرى أبرزها السلاح الذي يشكّل عامل ضغط معنويّ بأقلّ تقدير، لأنّ أيّ مواطن شيعي يحيا في قلب البيئة الشيعية عليه أن يحسب ألف حساب قبل اتّخاذ أيّ موقف أو خطوة، وذلك ربطاً بالجوّ والمناخ القائمين والسائدين، لأنّه لم يثبت، لغاية اللحظة، أنّ الحزب أو الحركة قاما بممارسة تهديدات أو اعتداءات طالت معارضيهما داخل هذه البيئة، والدليل الانتخابات البلدية التي أظهرت تعدّدية تؤشّر إلى الحيوية التي تختزنها هذه الطائفة.

ولعلّ مناسبة هذا الكلام مردُّها إمّا لظاهرة ولادة أطُر سياسية شيعية أو ساعية إلى ذلك، أو "نغمة" رفع الشخصيّات الشيعيّة المعارضة المسؤولية عنها ووضع اللائمة على غيرها بـ"نجاح" الثنائية الحزبية في الإمساك بقرار الطائفة ومصيرها. ولكن ما يستدعي التوقّف عنده، من باب الحرص والتقاطع السياسي الموضوعي مع شخصيّات وحركات تجسّد البعد الشيعي اللبناني، يكمن في الآتي:

أوّلاً، لم تنجح المعارضة أو المعارضات الشيعية في الانتظام داخل إطار سياسي موحّد وعلى أساس مقاربة وطنية مشتركة. وهذا العجز، كي لا نقول الفشل، لا تتحمّل 14 آذار مسؤوليته ولا "المستقبل"، إنّما هذه القوى بحدّ ذاتها التي لم تتمكّن من تجاوز حساسياتها الشخصية لمصلحة الانتظام داخل إطار مشترك، عِلماً أنّ فشلها رتّب ويرتب انعكاسات وطنية بالدرجة الأولى، عبر تغييب الخطاب الشيعي الذي يبدي الأولويتين اللبنانية والميثاقية على ما عداهما، كما ينعكس فشلها على حضورها الذاتي بالدرجة الثانية.

ثانيا، وإذا كان الشيء بالشيء يُذكَر، فإنّ المعارضة المسيحية التي واجهت الاعتقال والإقصاء والعزل والحظر بين عامي 1990 و2005 لم توفّر مناسبة لتوحيد صفوفها في مواجهة الوصاية السوريّة، الأمر الذي تمّت ترجمته في لقاء "قرنة شهوان"، وهي لم توزّع المسؤوليّات في كلّ الاتجاهات تبريراً لتقاعسها، على سبيل المثال، إنّما سعت ونجحت، مع فارق أنّها كانت تعمل بظروف شديدة الصعوبة والتعقيد لا يمكن مقارنتها بوضع المعارضة الشيعية.

ولرُبَّ قائل إنّ المعارضة المسيحية كانت تمثّل النسبة الأكثر تمثيلاً من المسيحيّين، فيما المعارضة الشيعية هي أقلّية، وإنّها استفادت من مرجعيّة بكركي، فيما المرجعية الدينية الشيعية أقرب إلى الثنائية الحزبية منها إلى المعارضة الشيعية، ولكن ما لا يفترض القفز فوقه أنّ المعارضة المسيحية كانت تعمل في ظلّ "طغمة" الوصاية السورية وغياب الأفق الخارجي وعدم تفهّم الشريك الداخلي أو عدم جرأته على الوصل مع الفريق المسيحي، وعلى الرغم من ذلك بادرت وانتظمت وساهمت في التمهيد وخلق الأجواء المؤاتية لانتفاضة الاستقلال.

ولكن ما نراه اليوم أنّ المعارضة الشيعية غير مقدامة وغير مبادرة، فضلاً عن "الاختلاف البنيوي" داخل صفوفها على مسألة "المقاومة" التي لا يبدو أنّها محسومة بالنسبة إلى كلّ أطيافها على قاعدة أنّ هذه "المقاومة" انتفى دورها وعلى "حزب الله" تسليم سلاحه والانخراط في المشروع اللبناني، وبالتالي إذا كان التنافس "السلطوي" داخل المعارضة مفهوما ومبرّراً، إلّا أنّ غياب الرؤية الموحّدة حيال البديهيّات الوطنية من دور لبنان في الصراع العربي-الإسرائيلي إلى الالتزام باتّفاق الطائف والقرارات الدولية يبقى غير مفهوم وغير مبرّر.

بيدَ أنّ ما تجدر الإشارة إليه أخيرا أنّ المسؤولية الأولى والأخيرة في دفع قوى 14 آذار إلى التحالف مع المعارضة الشيعية تقع على هذه المعارضة بالذات التي عليها إثبات حيثيتها التمثيلية والتي من دونها يصعب ترجمة وتسييل هذا التحالف سلطويّاً في ظلّ طبيعة النظام الطائفي، وذلك إلى حين إلغاء الطائفيّة وفقا للآليّة الواردة في المادة 95 من الدستور، وبالتالي أولويّة ما بات يعرف بـ"الخيار الثالث" يجب أن تتركّز على تحويل هذا الخيار من كونه نخبويّا إلى جعله شعبويّا بغية صرفه انتخابيّا، وخلاف ذلك يعني "إبقاء القديم على قدمه"، إذ لا يمكن استبدال الرئيس نبيه برّي بشخصيّة شيعية لا تعكس الوجدان الشيعي.

فليس المهمّ إيصال 10 نوّاب شيعة بأصوات غير شيعيّة، لأنّ انتخابهم على مراكز متقدّمة في الدولة، على غرار الرئاسة الثانية، في حال فوز 14 آذار بالأكثرية النيابية، يعني تحدّي مشاعر الطائفة الشيعية وقهرها، والتجربة المسيحية إبّان الوصاية أكبر برهان، فضلا عن أنّ تكليف رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، والذي هو للتذكير فقط رئيس حكومة سابق ونائب حالي وله حيثيته بمعزل عن حجمها، اعتبر وعن حقّ بأنّه استفزازا لمشاعر أهل السنّة لأنّه تمّ بطريقة انقلابية واستقالة الرئيس سعد الحريري لم تكن اختيارية.

يفترض بقوى "الخيار الثالث" الاتّكاء على "عضلاتها" وليس "عضلات" غيرها، وعبورها إلى الرئاسة الثانية أو وضعها حدّاً لسيطرة الثنائية الشيعيّة على مفاصل اللعبة السياسية والإدارية داخل الطائفة شرط حيازتها على مشروعية تمثيلية داخل بيئتها، وهذه العملية تتطلّب المثابرة والبناء الطويل والثابت والتراكمي، عِلماً أنّ هذا الخيار يزخر بالنخب والطاقات ما يؤهّله فعلاً لفرض نفسه رقماً صعباً داخل الطائفة الشيعية، إنّما شرط الانتظام والمبادرة والإقدام وعدم ربط حركته بالتطوّرات السياسية التي يجب أن تكون عاملاً مساعداً لا أساسيّا…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل