أكتبتُ لكم أعترف بعقمي، وعجزي عن الكتابة في زمن العفن الذي أعيش فيه وأنا الذي لا أنتمي إلى زمان أو مكان! أنا الذي خُلِقت مسيّراً، فما اخترت "رامي" اسماً أحمله، ولا جبل الشوف مكاناً أولد فيه، ولا "لبنان" موطناً أعشقه…
ولكنني "تبرمجتُ"! برمجوني وغسلوا دماغي فما عدت أعي أنني مسيّر، وأقنعت نفسي بأنني اخترت! أقنعت نفسي بأنني من بلاد الأرز التي أعشقها، وأنني شوفيٌ جبليٌ لبنانيٌ بامتياز. أنشدت وطني واقتنعت برفع رأسي لأنني لبناني الهوية! أحببت فيروز وعاصي ومنصور الرحابني، ولم أحب عاصي الحلاني يوماً! بلى عفواً أحببته لا بل عشقته لأنه غنّى "قلّن إنك لبناني" فاقتنعت بما يفوق الاقتناع بأنّني "لضلّ حبّ وانحبّ لازم قلّن إني لبناني"!
ولكنني اليوم، والحق شاهد عليّ، لن أبقى مرتاباً أو متردداً أو متكاسلاً! فأنا ما أحببت اسم "رامي" يوماً، وما عشقت الجبل وسكونه مرّة، وما أحسست لدقيقة بانتمائي إلى وطن الذل والقهر! لن أرفل بثوب الكذب بعد اليوم، ولن أبجّل وطنا ما حافظ ساعة عليّ فكيف لي أن أحفظ صورته… إن استطعت!
كيف لي ألا أنقم وأثور على وطن أكدح فيه ليل نهار في الدراسة والعمل، فأستيقظ من أحلامي لأجد نفسي في بلد الكوابيس؟! كيف لي ألاّ أتمرّد على وطن الزيف، على الأنفس المجبولة بالحقد والغضب والدماء، على صداقات الباطل وعلاقات المصلحة؟! كيف لي أن أنتمي إلى وطن بعض أُناسه أغبياء جهلة يدّعون العلم وهم غارقون في الظلام؟! كيف لي أن أعيش في مجتمع لا مسؤولية فيه على بعض الرجال والنساء فيه إلا إنجاب الأولاد "بالدزينة" لأن دماغهم مغسول بفكرة إرسالهم ليموتوا على الجبهات مقاتلين باسم الله الذي خلقهم ودعاهم إلى الحب والسلام والمغفرة…
كيف لي ألاّ أثور وأكتب وأصرخ، ثم أحزن وأبكي بعد أن أدرك تمام الإدراك أنّهم سيجرمون كتاباتي ويسكتون صرختي ويتهمونني بتهديد السلم بعد مقالتي هذه وأنا لست بمسوّق ولا بمحرّض بل صاحب رأي ديمقراطي في بلد لا يعترف بالأحرف الثلاث الأولى لكلمة "ديمقراطية"، لأنه بلد الأحرف المتبقية منها… و"فهمكن كفاية"!
بلد يضمّ قتلة وإرهابيين وبرابرة ومنقادين هدّدوا "لارا فابيان" بالقتل لأنها زارت الإسرائليين! هدّدوها باسم العروبة الكاذبة والحروب المدمرة والضمائر الغبية. هدّدوها فقمعوها ومنعوها من المجيء إلى لبنان، وهي ليست الأولى ولكنها ستكون آخر العنقود باذن الله! آخر العنقود لأنني أقسم أن أكرّس هذه الفضيحة قضية حياتي وسأموت دفاعاً عنها! فأنا أنتمي إلى القضايا والتاريخ وليس إلى السلاح والجغرافيا! ولن أكون وحيداً في متابعتها لأن أهل العلم والنور كثر ويدرون ماذا يفعلون…
بالله عليكم قولوا لي! قولوا لي بأي ذنب الحضارة تقتلون! قولوا لي بأي حقّ الفن تمنعون! قولوا لي كيف لكم اتخاذ المواطنية غطاءً لأعمالكم وأقوالكم المقززة أيها الجبناء؟! قولوا لي من أنتم لتحددوا إن كان لبنان مسرحاً لكم أو لنا؟! قولوا لي من تكونون ولنتواجه وجهاً لوجه…
قولوا لي.. شو وقفت عـ "لارا فابيان" يا ملاعين؟!
قولوا لي من أين تلبسون؟! أوليست شركات الملبوسات العالمية التي تكسح أسواقنا التجارية وتقضي على منتجاتنا المحلية موجودة في اسرائيل؟!
قولوا لي من أين تأكلون؟! أوليست المأكولات والمطابخ العالمية الموجودة في بيوتنا موجودة نفسها في اسرائيل؟!
قولوا لي كيف تتنقلون؟! أوليست السيارات التي تركبون يومياً موجودة عينها في اسرائيل؟!
قولوا لي كيف تسافرون؟! أوليست الخطوط الفرنسية والإيطالية واللوفتانزية وغيرها التي تطأ أرض مطار بيروت الدولي هي نفسها التي تركن في تل أبيب؟!
قولوا لي بمن تُمَثَّلون؟! أولم يجتمع وفد من نوابكم مع أشد المدافعين عن الكيان الصهيوني في مجلس الدوما الروسي؟!
وأوليس النظام السوري الذي تدافعون عنه يفاوض الإسرائيلي ليل نهار في السرّ والعلن؟
شو وقفت عـ"لارا فابيان" في أمّتكم الملعونة؟!
قولوا لي.. أولسنا غارقين في التطبيع حتى النخاع! قولوا! اعترفوا! أقروا!
قولوا لي، لم لا تصنعون احتياجاتكم بأنفسكم وتمنعون التطبيع أعلاه قبل أن تهدّدوا وتتوعدوا؟!
شو وقفت على التطبيع الفني… والباقي ليس تطبيعاً!
قولوا لي.. هل قرأتم جبران خليل جبران يوماً قبل أن تتغنوا به؟! أتعرفون أنّه بعد أن ناداكم وملّ من رقادكم قال إن الحياة ما عادت تحسبكم من أبنائها؟!
"بعد في شويّة حضارة"، حافظوا عليها رجاء… وأرجو أن تتراجع "لارا فابيان" عن قرارها بعدم المجيء لنحتفل معها بعيد الحب والمحبة، فنحميها نحن منكم لتُنصرنا هي أبطالاً عليكم حتى لا تتجرؤوا على تهديداتكم الوقحة الجبانة من جديد!
أحتقركم وأكرهكم لأنكم تحتقرون أنفسكم وتكرهون إله السماء.. لقد اغتصبتم ما لكم وما لنا، ولكنكم لن تغتصبوا ما لله!