ما عادت التفاصيل مهمة كثيراً في الوضع السوري حتى لو كانت بأهمية وخطورة عمل المراقبين العرب: التمديد لهم أو عدمه. عددهم، تقاريرهم، رئيسهم، تركيبتهم، قدراتهم على تنفيذ، او عدم تنفيذ الأجندة الموضوعة لهم بإحكام وحرفية.. وما الى ذلك من أسئلة وشؤون ترتبط بكل تلك المهمة من أساسها.
دخلت سوريا في مرحلة الإجمال أو العموميات الكبيرة. وهي مرحلة أخطر وأشمل وأوسع من زاوية الرقابة العربية لتحديد مَن المخطئ ومَنْ المصيب، ومَنْ الذي يقتل مَنْ. ومَنْ الذي يخالف، ومَنْ الذي يوالي. ومَنْ الذي يرتكب، ومَنْ الذي يقصف وينسف ويقتل ويخطف!. مرحلة ابتعدت كثيراً عن لعبة المقاضاة والسعي الى تحديد المذنب لمحاسبته والبريء لتبرئته! بل ابتعدت كثيراً عن تلك القصة من أولها الى آخرها. وما عاد أحد من طرفي الانفجار القائم، يهتم كثيراً لشهادة إدانة أو حسن سلوك، او يتوقف لحظة للنظر الى الخلف لمعاينة مخلفّات وآثار تحركه الميداني.
وذلك حكماً، أمر يخالف موجبات تدوين الحوادث الجسام والعظام. حيث الافتراض دائماً، ان لكل نقلة حسابها، ولكل خطوة تبعاتها. ولكل قرار تأثيراته.. والدعسة الناقصة، حتى على الطريق الطويلة، كلفتها كبيرة وأثمانها غاليات. لكن للواقع السوري الراهن وتيرته الخاصة به. وتلك تشي بأن السوريين عموماً قطعوا مرة واحدة وأخيرة وبالجملة وليس بالتقسيط، مع الماضي.. مع السلطة وأدواتها ومعناها، ومع دولة الأسد باعتبارها كل ذلك "الماضي"، وباعتبار العمل لاسقاطها وإنهائها تصالحاً مع الحاضر والمستقبل، بقدر ما هو تصالح مع موجبات الحياة ومفرداتها في الأمن والحرية والسياسة والاقتصاد والعدالة ولقمة العيش.
ذلك اليقين لا تعوزه مؤشرات ولا دلالات ولا معطيات تحتاج الى مراقبين عرب أو أجانب لتدوينها، ولا تحتاج الى شهادات موثّقة وممهورة بختم "المختار" للأخذ بها من أجل إبراز الحق وتقديمه لأصحابه، وخذلان الباطل وتقديم الخزي لأهله. كما لم تعد تحتاج الى أي توثيق للإدانة.. سوريا اليوم ليست محكمة بل ثورة. وهذه في حالها وذاتها، خلاصة أحكام مُبرمة لا تقبل الاستئناف ولا التمييز!
.. مع ذلك، يبقى التحرك العربي واجباً في سياق المواكبة الخارجية لثورة الداخل. وفي سياق تجميع كل ما أمكن من مقومات ضغط لمساعدة سوريا على طي صفحة "الماضي".. وبأسرع ما يمكنه!.