لم يرتكب قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني العميد قاسم سليماني بكلامه عن خضوع جنوب لبنان لإرادة طهران أي "خطيئة"، بل هو قال الحقيقة التي باتت عقيدة، طالما أن "الولي الفقيه" في إيران يشتهي لبنان، ولم يخفِ تلك الشهية الجامحة أمام الرئيس سعد الحريري خلال زيارته إلى طهران في العام 2010 حين صارحه بنظرته إلى لبنان على أنه "الجميلة ازميرالدا، الفاتنة الحسناء التي قرأ عنها في رواية أحدب نوتردام، تلك الغجرية التي يشتهيها الجميع ويريدها ولو بالقوة، وكانت تحمل شفرة صغيرة للدفاع عن نفسها".
كان المرشد الأعلى الايراني آية الله علي خامنئي يقول لرئيس حكومة لبنان آنذاك ما معناه بأن "حزب الله" هو شفرة لبنان وسيبقى موجوداً حتى تدمير إسرائيل. لكن الحريري أجاب خامنئي وأصابه في الصميم :"إزميرالدا متخيلة أما لبنان فهو حقيقي، وقد بتنا يا سماحة الإمام نخشى على إزميرالدا (لبنان) من أن تجرح نفسها بالشفرة".
لم يهضم خامنئي ردّ الحريري الذي استعرض تاريخ المقاومة اللبنانية وليس "الإسلامية" فقط، فشكره وأنهى الجلسة، وأصدر تكليفه الشرعي لـ"شفرته في لبنان"، بأن تجرح الحريري لأنه لن يسمح له بأن ينال ما يشتهي في بلد الأرز، فلم يتأخر "حزب الله" بالتنفيذ، عبر إسقاط حكومة الوحدة الوطنية وفرض واقع سياسي جديد بقوة سلاح "الولي الفقيه".
وربّ سائل، ألا تستحق هذه الملاحظة التوقف عندها وربطها ببعض الوقائع التي تؤكد ان "حزب الله" هو "الشفرة" التي ستجرح لبنان، وتؤدي إلى تدمير رسالته في العيش الواحد والتنوع والتعددية والديموقراطية، ولن تؤدي يوماً إلى تدمير إسرائيل كما يشاء خامنئي، رغم أنه يملك القدرة على تدميرها بنفسه من خلال ما يمتلك من قوة عسكرية ونووية.
هنا بيت القصيد، حيث تلتقي عقيدة الحريري الثابتة بلبنان التعدد والتنوع، لبنان العربي الهوية والإنتماء، مع الموقف التاريخي للكاردينال نصر الله بطرس صفير، عشية الانتخابات النيابية عام 2009، الذي حذر من وجود "تهديد للكيان اللبناني"، وشدد على أن "انتقال الغالبية من 14 آذار إلى 8 آذار سيخلف أخطاراً ذات وزن تاريخي على لبنان (..) وإذا ما نجحت ستغير وجه لبنان".
بهذا المعنى، فإن أهمية كلام قائد "فيلق القدس" في "الباسدران" أنه أكد موقف كل من الحريري وصفير، وأعاد لفت إنتباه الجميع، إلى أن مصدر الخطر على لبنان واللبنانيين، هو الجمهورية الإسلامية في إيران عبر "حزب الله" الذي ينفذ أجندتها ومشيئة مرشدها بمعزل عن المصلحة اللبنانية.
اللافت أن "حزب الله" بلع الموس، لأن كلام سليماني لا يحتاج إلى إجتهاد في تفسيره أو تبريره، سيما وأنه نزل كـ"الماء البارد" على المسيحيين في وقت كان يسعى "حزب الله" إلى "حراك شكلي" يستثمر خوف البطريرك الراعي من "الربيع العربي" وصعود الحركات الإسلامية "السنية" لتحويل الأنظار عن مكمن الخطر الذي يشكله هو بـ"تكليف شرعي" من إيران، سيما وأن القائد الإيراني تحدث عن القدرة على تشكيل حكومة إسلامية في لبنان كمن ينفض الغبار عن الغاية الاساسية من وجود "حزب الله" الذي "يتمسكن حتى يتمكن" من إقامة الجمهورية الاسلامية في لبنان على شاكلة الجمهورية الاسلامية في إيران.
ما سبق ذكره يؤكد أن فزاعة التخويف من خطر نشوء الإسلام السياسي المتطرف سنياً من خلال "الربيع العربي" هي فزاعة "وهمية" و"إفتراضية"، إذا عدنا إلى مجاهرة إيران بإعلان أبوتها لبعض الثورات العربية على أنها إمتداد للثورة الإسلامية في إيران. والبرهان الأكثر أهمية يتجلى في وثيقة الأزهر "التاريخية" بما يمثله من مرجعية مهمة للمسلمين السنة.
بعد كل هذه المقدمات هل ما زال هناك أدنى شك لدى اللبنانيين، والمسيحيين تحديداً، أن الخطر الحقيقي على لبنان هو الخطر الإيراني عبر شفرة "حزب الله"، كما أكد قائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني؟ فقد "شهد شاهد من أهله".