الأسبوع الماضي، أدلى قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري الإيراني" اللواء قاسم سليماني بتصريحات مثيرة للجدل.. والريبة.
فهو إذ أكّد أنّ "إيران حاضرة في جنوب لبنان وفي العراق" أضاف أنّ "هذين البلدين يخضعان بشكل أو بآخر لإرادة طهران وأفكارها"، مُعلناً أنّ بإمكان بلاده "تنظيم أيّ حركة تؤدّي إلى تشكيل حكومات إسلاميّة هناك بهدف مكافحة الاستكبار (..)".
ليس الأهمّ في ما قاله سليماني المقرّب من المرشد الخامنئي، بل مرشّحه المحتمل إلى رئاسة الجمهوريّة الإسلاميّة العام المقبل كما يُفيد المتابعون عن كثب للشأن الإيراني، ذلك التوصيف لعلاقة إيران بلبنان وجنوبه. فالتوصيف معروف تماماً لدى اللبنانيّين: إنّ إيران تقيم مع لبنان عبر "حزب الله" وعبر حضورها العسكريّ – الأمنيّ المباشر علاقة إخضاع بل احتلال بحسب أولويّات السياسة الإيرانيّة وأهدافها… وما "حزب الله"، وفقاً للتشخيص "السليماني"، إلّا جهة يحرّكها الانتماء العضويّ إلى النظام في طهران، وما لبنان إلّا ساحة نفوذ وتوظيف. حتّى إنّ الأمر أكبر من ذلك: فمع أنّ الانتماء العضويّ لـ"حزب الله" إلى نظام إيران وتشكيلاته كان مُغطّى بالمعنى الديني وبـ"ايدولوجيا الفقيه"، فهو اليوم يغدو أكثر فأكثر نوعاً من فرع عسكريّ – أمنيّ لمركز يحكمه نظام عسكريّ أو متعسكِر.
إذاً، ليس الأهمّ في ما طرحه المسؤول الإيرانيّ عن "حزب الله" في لبنان، ذلك التوصيف "الواقعي" الذي يُعيد الاعتبار على كلّ حال لكلّ ما سبقَ أن جرت مواجهة "حزب الله" به.
فالأهمّ أمران آخران ضمنيّان.
الأمر الأوّل أنّ تصريحات قاسم سليماني تأتي في غمرة تفاقم الأزمة الإيرانيّة – الأميركيّة – الدوليّة بشأن الملفّ النوويّ الإيرانيّ. وفي هذا المجال أعطت إيران مجموعةً من الإشارات بإزاء تصاعد الضغوط الأميركيّة والأوروبيّة عليها، إشارات تكشف حجم الانزعاج والوجع الإيرانيّين من الضغوطات – العقوبات. فالجمهوريّة الإسلاميّة التي يلمس قادتها الأثر الفادح للعقوبات – لا سيّما الماليّة منها – على الداخل الإيراني، تتعاطى مع هذه العقوبات، القائم منها والمتوَقّع، بوصفها قراراً غربيّاً بإسقاط النظام الإيرانيّ من الداخل ومن دون اللجوء إلى حرب عسكريّة. وبكلام آخر، فإنّ القيادة الإيرانيّة حيالَ ما تعتبره قراراً غربيّاً بإسقاط النظام عبرَ عقوبات ذات مفاعيل اجتماعيّة، وحيال أفق لانتفاضة شعبيّة إيرانيّة متجدّدة قريباً، وحيالَ أزمة خسارة النظام السوريّ الحليف وحيالَ مشاكل إيران في العراق ما بعدَ الانسحاب الأميركيّ، إنّ تلك القيادة الإيرانيّة تمضي قدُماً في عسكرة النظام بما يُنهي الفكرة الجمهوريّة والإسلاميّة الخمينيّة، لكنّها في تعاطيها الخارجي تراوح بين حدّين. حدّ الدعوة إلى استئناف الحوار مع المجتمع الدوليّ وحدّ التهديد بإغلاق "مضيق هرمز" في الخليج.
إنّ التهديد الإيرانيّ بإغلاق "مضيق هرمز" جرى الردّ عليه من جانب الولايات المتّحدة والغرب، وجرى التحذير منه عربيّاً وإقليميّاً. والحقّ يُقال إنّ إغلاق المضيق ليس بالضرورة خياراً مُتاحاً لإيران. لكنّ السؤال الذي تحرّكه تصريحات اللواء سليماني هو الآتي: هل في الحديث عن حضور إيران في جنوب لبنان وعن خضوع لبنان لإيران تهديدٌ بخيار بديل هو فتح جبهة الجنوب اللبنانيّ مع إسرائيل ليكون الجنوب "مضيق هرمز" البديل؟
أمّا الأمر الثاني الذي ينطلقُ من تصريحات سليماني، وبعيداً من سيناريوهات الأزمة الإيرانيّة – الأميركيّة – الغربيّة واحتمالاتها سياسيّاً وعسكريّاً، تسويةً ومواجهة، فهو أنّ المسؤول الإيرانيّ الذي لا يذكر "حزب الله" حتّى والذي يزعم القدرة على الدفع باتّجاه تشكيل حكومة إسلاميّة في لبنان (والعراق)، يجعل من لبنان ورقةً للتفاوض لحساب إيران من جهة، لكنّه يُنصِّب نفسه محاوراً باسم الجنوب اللبناني بل محاوراً ينوب عن "حزب الله" أو بديلاً منه. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو الآتي: لماذا يقطع سليماني الطريق على بحث لبنانيّ في مستقبل لبنان بعد سقوط نظام بشّار الأسد في سوريّا ليتحدّى بـ"مشروع حكومة إسلاميّة"، بل لماذا يحرّض على الانفجار في لبنان؟
إنّ السطور السالفة تناقش توصيفاّ إيرانيّاً للعلاقة بلبنان من جهة وتهديدات إيرانيّة غير "مبطّنة" للبنان من جهة ثانية، واحتمالات للسلوك الإيرانيّ من جهة ثالثة.
وفي مثل هذه الأجواء الإيرانيّة، أي في مثل هذه الأزمة الإيرانيّة المتعدّدة الأسباب والأبعاد وانعكاساتها مع أزمة النظام السوريّ على "حزب الله"، من الواضح أنّ ظروف بحث جدّي يبعدُ لبنان عن المغامرات وعن المتاهات، ظروف حوار لبنانيّ شامل يحسب مصالح لبنان بكلّ فئاته ومكوّناته، ليست ظروفاً ناضجة بعد، حتّى لو كان "حزب الله" يعرف أنّ المتغيّرات كبيرة، بما أنّ قاسم سليماني يقول "القرار لي".. إلى أن يلمس أنّ الأفق مسدود!.