#dfp #adsense

الهجرة المسيحية وَهمٌ… والتوازن قائم

حجم الخط

خالف الدكتور بطرس لبكي، في الدراسة التي أعدّها مؤخرا بعنوان «تساؤلات ووقائع حول وضع المسيحيين في لبنان والمشرق»، والتي نشرتها الزميلة «الأخبار»، كلّ «النظريات» السائدة حول أن الديموغرافية المسيحية انحسرت إلى حدود الـ20 في المئة، مُبيّناً بالأرقام أن حجم الهجرة الإسلامية يفوق ضعفي الهجرة المسيحية، وأنّ عدد المسيحيين والمسلمين متقارب إلى حد كبير.
 
يرتكز لبكي في دراسته على معطيات إحصائية وجداول رقميّة تظهر معطيين أساسيين:

المعطى الأول مفاده "أنّ الهجرة ليست مسيحية فقط بل إسلامية، وأنّ اللبنانيين المسيحيين لم يمثلوا أكثر من 23 في المئة من المهاجرين منذ العام 1975 وحتى 2006. واللبنانيون المسلمون مثّلوا اكثر من 77 في المئة من المهاجرين اللبنانيين".

المعطى الثاني مفاده "أن المسيحيين ليسوا أقلية. فهم كانوا يمثلون 44 في المئة من السكّان المقيمين، وفق الأرقام العائدة الى العام 1995، فيما المسلمون كانوا يمثلون 56 في المئة من اللبنانيين المقيمين مع حسبان الفلسطينيين خارج المخيمات، والسوريين المقيمين. أمّا اليوم، أي بعد 15 سنة، ومع الهجرة اللبنانية الإسلامية الكثيفة والتقارب في نسَب التوالد بين الطوائف، فمن المرجح أن تكون نسَب السكان اللبنانيين بين مسيحيين ومسلمين قد تقاربت أكثر".

ولعلّ أهمية دراسة لبكي تكمُن في عاملين:

العامل الأول، تبديدها وَهم التراجع الديموغرافي المسيحي، هذا الوهم الذي له أسبابه وخلفياته المكشوفة، وأبرزها: دفع المسيحيين إلى التنازل عن السيادة والتسليم إمّا بوصاية خارجية، أو بسلاح غير شرعي تحت عنوان "الحماية" بعد التراجع "الدراماتيكي" في وضعهم، أو بتعديل الدستور استبدالا للمناصفة بالمثالثة.

العامل الثاني، تظهيرها المشترك بين المسيحيين والمسلمين لناحية أن أسباب الهجرة واحدة، بمعنى أن وجع هاتين المجموعتين وهواجسهما ومخاوفهما كلها واحدة، فضلا عن أن أنماط عيش المسيحيين والمسلمين باتت متقاربة، بدليل، على سبيل المثال، متوسّط عدد الأولاد في الأسرة الواحدة.

أما أسباب هذه الهجرة التي عدّدها لبكي، فعائدة إلى الآتي: النزاع العربي-الإسرائيلي، انعدام الاستقرار السياسي، سوء الأحوال الأمنية، سوء الأحوال الاقتصادية، التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية. هذه التدخلات التي تجد في لبنان أرضا خصبة لها، والسعي إلى تحسين الظروف الحياتية والمعيشية، وسهولة الهجرة في ظل وجود شبكات من الأقارب والمعارف في بلدان الاغتراب.

وقد خلص لبكي إلى استنتاجين:

الاستنتاج الأول: "إنّ اللبنانيين المسيحيين لا يحتاجون الى حماية أحد. فحمايتهم "منهم وفيهم"، والحماية الأساسية هي في تضامنهم وتضامن جميع اللبنانيين".

الاستنتاج الثاني: "أن الشعور بالتهميش بدأ بالتراجع والتغيّر منذ العام 2005، حيث كان لهم الدور الأساس في استعادة السيادة، كما استطاعوا منذ ذلك الحين، تحسين موقعهم في النظام السياسي، وتخفيف تهميشهم المصطنع منذ العام 1990، وزيادة عدد النوّاب المسيحيين الذين يمثلون المسيحيين فعلاً، وذلك في انتخابات 2005، وعلى نحو أوضح في انتخابات 2009، على رغم العورات في تقسيم الدوائر الانتخابية".

وما لم تتطرّق له هذه الدراسة، أو أشارت إليه عرضا ولِماما وبشكل غير مباشر، هو ملف التجنيس الذي ساهم في توسيع الهوّة في التوازن الديموغرافي. هذا الملف الذي لم تتمّ معالجته جديّاً، إن عبر إلغاء المرسوم أو بإعادة النظر فعليّاً بغير مستحقّيها، فضلا عن الخطوات الخجولة في ملف استعادة الجنسية.

إلى أين من هنا؟ لقد أثبتت التطورات منذ العام 2005، وهذا ما أشار إليه لبكي، أن المسيحيين بدأوا يستعيدون وزنهم داخل المعادلة الوطنية، ما يؤكد أن استهدافهم كان مبرمجاً للغايات المعلومة والمنوّه عنها. وبالتالي بات من المُلِح وضع خارطة طريق لاستكمال هذا العمل التراكمي، بُغية استعادة التوازن الذي يشكّل مصلحة حيوية لاستقرار لبنان ونجاح تجربته ورسالته.

أما العنوان الرئيس الذي يفترض بهذه الخارطة أن تحمله، فهو إزالة المسيحيين رداء الإحباط عنهم واستعادتهم الثقة بأنفسهم. هذه الثقة التي لا يمكن أن يستعيدوها إلّا عبر إشعارهم أنهم مؤثرون في المعادلة الوطنية، الأمر الوحيد الذي يدفعهم إلى الانخراط مجددا في الشأن العام والمشاركة في الحياة السياسية، عوضا عن الاستقالة الطوعاء بفِعل غياب التأثير. أما المدخل إلى ذلك، فهو عبر قانون للانتخابات، بمعزل عن شَكله وتسميته، يُشعِر كلّ المسيحيين بأنهم قادرون على إيصال مرشّحيهم…

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل