#dfp #adsense

تصريحات سليماني… تساؤلات تنتظر إجابات!

حجم الخط

لم تنفع محاولات السفير الإيراني في لبنان في التخفيف من وقع الصدمة التي أثارها كلام قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني عن تواجد قواته في الجنوب اللبناني، وعن خضوع لبنان والعراق «لإرادة الجمهورية الإسلامية وأفكارها»!.

الدبلوماسي الإيراني الشاطر لم يستطع نفي تصريحات سليماني التي أوردتها الوكالة الإيرانية شبه الرسمية «إيستا» ذات الصلة الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني… فكان أن أحال المسألة إلى «تحريف في الترجمة»، وكأنه غاب عن باله بأن «إيستا» وكالة إيرانية من صنع النظام الإيراني، وإدارتها موجودة في طهران، وتصريحات رجل الحرس الثوري القوي خرجت من طهران… وعبر الوسائل الإعلامية الشرعية!.
هذا في الشكل طبعاً!.

أما في المضمون فالمسألة أكثر خطورة، وتكشف حقائق ووقائع لطالما حاول الإيرانيون التستر عليها، ولطالما عمل بعض اللبنانيين على تجاهلها، في حين تعمّد البعض الآخر التستر عليها، وإخفائها في زواريب السياسة المحلية.

المشكلة باختصار: الجنوب اللبناني خط دفاع ساخن عن إيران، وبالتالي فان قرار الحرب والسلم في لبنان يخضع للحسابات الإيرانية في الصراع المحتدم مع المجتمع الدولي والدولة العبرية حول الملف النووي، بل وحاول سليماني أن يذهب أبعد من ذلك، عندما قال أن الجنوب اللبناني يخضع لإرادة الجمهورية الإسلامية وفكرها..! وذلك في معرض حديثه عن احتمال إقفال مضيق هرمز، في حال اندلعت مواجهة عسكرية مع الدول الغربية.

* * *
قد يعتبر البعض أن مثل هذا الكلام لا يدعو للاستغراب أو للاستنكار لأنه يعبّر عن «أمر واقع» سائد في الجنوب اللبناني، وفي مراكز القرار الحكومي في العراق، بحكم الهيمنة الإيرانية على مقدرات لبنان والعراق، عبر «حزب الله» في الأوّل، ومن خلال حكومة المالكي وتفرّد الأخير بالسلطة في بلاد الرافدين.

ولكن خطورة تصريحات قائد العمليات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني تكمن في الاعتراف الرسمي بالوجود الإيراني في هذين البلدين، وإمساكه بناصية القرار السياسي والأمني من جهة، وبإخضاع البلدين العربيين لمتطلبات الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة.

فضلاً عن أن الجهر بمثل هذه المواقف في هذه اللحظة التاريخية وأخطارها المحدقة بالمنطقة، يطرح الكثير من التساؤلات التي لا يجوز أن تبقى تائهة عن الإجابات الواضحة والحاسمة من طهران وحلفائها في لبنان، وخاصة «حزب الله».

1 – هل يعني كلام سليماني بالتواجد في الجنوب اللبناني أن الحرس الثوري متواجد في هذه المنطقة اللبنانية، ولو بشكل مجموعات منتشرة في القرى مع السكان المدنيين؟.
2 – ألا يمكن أن يفهم البعض تصريحات قائد فيلق القدس بمثابة اعتراف بمشاركة عناصر من الحرس الثوري في المعارك ضد الدولة العبرية، وخاصة في حرب تموز… على حدّ ما تدّعي بعض الأبواق الإسرائيلية؟.
3 – هل ما جاء على لسان سليماني يعني، بشكل أو بآخر، أن ترسانة الصواريخ الموجودة عند «حزب الله» هي بإمرة إيرانية، وتخضع لحسابات الحرب الإيرانية، كما هو حال مضيق هرمز مثلاً؟.
4 – واستطراداً ما هي مسؤولية عناصر الحرس الثوري في الهجمات التي تتعرض لها قوات اليونيفل، والتي يعتبرها البعض بمثابة رسائل لا تحتاج إلى شرح أو تأكيد!.

* * *
لم يكن مستغرباً أن تُثير اعترافات سليماني هذه الموجة الشاجبة والمستنكرة في صفوف المعارضة اللبنانية، والتي تلاقت مع أصوات الاستنكار التي ارتفعت في بغداد دفاعاً عن سيادة البلد، والتي اعتبرتها كتلة مقتدى الصدر أنها «غير مقبولة ولا نسمح بها»، لأن «العراق دولة مستقلة ولا نقبل أي تدخل سواء أكان من إيران أم تركيا أم السعودية، أم غيرها من دول الجوار».

ولكن المستغرب فعلاً استمرار هذا الصمت من جانب حلفاء طهران في لبنان، ولا سيما «حزب الله»، الذي لا نزال نصرّ على التعامل معه كأحد أبرز مكونات المجتمع اللبناني، وكشريك أساسي في الحياة السياسية اللبنانية، سواء أكان في صفوف المعارضة، أم في مقدمة الموالاة، كما هو الحال هذه الأيام.

إن إقدام «حزب الله» على إعلان موقفه من هذه التصريحات والإشكالات التي أثارتها، من شأنه أن يحمي الحزب أولاً ولبنان ثانياً وثالثاً، من أية محاولة لزج الساحة اللبنانية في معارك ومواجهات لا ناقة للبنان فيها ولا جمل، ولا يمكن أن تخدم الاستقرار اللبناني الذي يبقى في دائرة العناية الفائقة، نظراً لهشاشة قواعده في ظل الانقسامات العمودية الحالية في البلد، وامتداداتها الخارجية المختلفة والمتصادمة.

وثمة قناعة عند الأكثرية الساحقة من اللبنانيين، بأن الأحداث التغييرية التي تعصف بأكثر من دولة في المنطقة، وخاصة سوريا، هي أكبر من قدرة الوطن الصغير على لعب دور مؤثر فيها، وكذلك الحال إذا وصل الصدام بين طهران والمجتمع الدولي إلى هاوية المواجهة العسكرية، حيث لن يفيد إشعال جبهة الجنوب اللبناني في تغيير موازين القوى العسكرية، وإن كان سيُسبّب إرباكاً واسعاً للعدو الإسرائيلي في حال وصلت صواريخ «حزب الله» إلى أهدافها النهائية، وأفلتت من منظومة «القبة الحديدية» التي تتحدث عنها تل أبيب للتصدي لصواريخ طهران و «حزب الله».

* * *
هناك من يعتقد أن تصريحات قائد «فيلق القدس» لا تختلف في أبعادها ومراميها عن الكلام الذي أدلى به قائد البحرية الإيرانية، واعتبر فيه أن إقفال مضيق هرمز هو أسهل من «شربة الماء» بالنسبة لطهران!.
في حين أن العسكري الإيراني المخضرم، وقبله القيادة الدينية والسياسية في طهران يُدركان جيداً أن الإقدام على إقفال مضيق هرمز، يعني استدراج الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي ودول أخرى إلى حرب مدمرة مع إيران، يُشارك فيها تحالف دولي واسع، وتكون بمثابة الفرصة التي تنتظرها كل من واشنطن وتل أبيب للقضاء على النظام الإيراني الحالي، وترك إيران في حالة من الانهيار والفوضى العارمة، على نحو ما حصل في العراق بعد إسقاط نظام صدام حسين عبر التحالف الدولي الذي قادته واشنطن من دون تغطية من مجلس الأمن الدولي، كما هو معروف!.

هل تعمّد سليماني توجيه رسائله هذه المرة مباشرة عبر الجنوب اللبناني والعراق، إلى واشنطن وتل أبيب؟.
ربما، ولكن الأمر ليس بمثل هذه السهولة بالنسبة للبنان خاصة، لا سيما وأن البلد يسير على حبل مشدود منذ فترة، وأهله يحبسون أنفاسهم، بانتظار جلاء الأوضاع التي ستخلّفها العاصفة السياسية في المنطقة، وفي سوريا بالذات.

قد تكون طهران تخوض «لعبة صولد» في التعاطي مع الانتفاضة الشعبية السورية، وتحاول أن توحي بالإمساك بالوضعين اللبناني والعراقي في حال خسارتها الحليف الدمشقي… ولكن مثل هذه اللعبة قد تعرّض كل أوراق إيران للخطر دفعة واحدة، عوض العمل على الحد من الخسائر في حال سقوط النظام في سوريا.

* * *
لا محاولات الدبلوماسي الإيراني التشاطر، ولا تفسيرات حلفاء طهران المخففة تنفع في تبرير كلام سليماني الذي أضرّ ولم ينفع بلاده… والذي يُعتبر خطأ لا ندري إذا كان يُفيد الآن الرجوع عنه!.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل