كتب سمير صالحة في صحيفة "الجمهورية": قذيفة الهاون التي سقطت عند السور الخارجي للسفارة التركية في بغداد لم توقع ربما أضراراً بشرية ومادية، لكنّها في احسن الحالات ستتسبّب بأضرار سياسية ودبلوماسية لن يكون سهلاً معالجتها وتجاوزها في مسار العلاقات التركية – العراقية المتوترة أصلاً.
الانسحاب العسكري الأميركي من العراق منتصف الشهر المنصرم، وصورة العراق الجديد المرسومة على شكل تركيبات وتكتلات عرقية مذهبية تترسخ عبر خروق امنية وأزمات سياسية لا تنتهي تكاد توحي ان كثيرين يستعدون لسيناريوهات بديلة اكثر إيلاما بغطاء الدستور الذي رعته واشنطن وباركته عام 2005، والذي يكرّر رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي انه يتحرك على أساسه لحماية الوحدة والاستقرار. لا بل ان الملفت كان لجوء المالكي، وهو يلوّح بمواد هذا الدستور في وجه الأتراك، الى القول ان بلاده قادرة على لعب أوراق مماثلة في تركيا نفسها اذا ما استمرّت في سياسة التدخل في شؤون بلاده على هذا النحو.
الرسالة أساسا لم تكن لتعني تركيا وحدها، بل كثيرا من دول الجوار لتذكيرها ببناها الهشّة، وأن جرّها الى هذا المستنقع الذي يستحيل الخروج منه دون دفع الثمن الباهظ ليس مسألة صعبة.
كيف وصل التوتر التركي ـ العراقي الى هذه النقطة فيما الدبلوماسية التركية تردّد أنها لن تتخلّى عن شعار تصفير المشاكل مع الجيران والحكومتان كانتا تعدان الجميع باتفاقات تعاون استراتيجي يشمل رفع أرقام التبادل التجاري والتنسيق الأمني وحل مشاكلهما على طاولة الحوار مهما كثرت وحاولت بعض القوى الداخلية والخارجية الدخول على خط شحنها وتأزيمها؟
لجوء الزعيم السنّي ونائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي الى شمال العراق في أواخر الشهر المنصرم وتذكيره أكراد العراق بقاعدة حسن الضيافة وانصر أخاك… لإنقاذ نفسه من التوقيف والاعتقال الذي أراده المالكي له بتهمة التحريض على القتل والإرهاب، أزعج كثيرين في داخل العراق وخارجه وفي مقدّمهم تركيا طبعا طالما ان أقوى واهم حلفائها يتعرض لهذا النوع من الاتهامات ومحاولات التهميش والتصفية.
قد يسأل وزير الخارجية التركي أحمد داود اوغلو الأميركيين مباشرة خلال زيارته المرتقبة لواشنطن عن رأيهم في السلوك الجديد للمالكي حليفهم المفضّل الذي ائتمنوه على المصالح والمعادلات الحساسة في العراق والتي تم تركيبها فوق بركان جاهز للانفجار في كل لحظة، لكن أوغلو يعرف مسبقاً ان الردّ الأميركي لن يطمئنه ويقنعه، فواشنطن لن تتراجع عن سياسة تقديم الهدايا للشركاء والحلفاء حتى ولو كان ذلك يتعارض مع مصالح أنقرة وحساباتها، وأن كل ما قد يشفي غليله هو المضي في سياسة توفير الحماية للأصدقاء والحلفاء المحليين كخيار اللاحول واللاقوة الذي لا بدّ منه وسط الحالة السياسية والأمنية التي يعيشها العراق في هذه المرحلة.
وفي عودة سريعة الى شريط توتر العلاقات بين انقرة وبغداد ووصوله الى هذه النقطة لا يمكن إنكار ان الموقف الأخير للمالكي حيال الأزمة السورية الداعم للرئيس الاسد كان نقطة البداية. ثم جاءت في مطلع الشهر المنصرم حادثة طلب اعتقال الهاشمي بتهم تتعلّق بعمليات تفجير واثارة الفتن، وهي محاولة يصفها البعض بأنها تندرج في اطار تصفية الحسابات مع خصمه السياسي الذي يطارده كظلّه. رجب طيب اردوغان كان جاهزاً هنا للدخول على الخط وبقوة محذّرا من تمركز المذهبية في العراق ومن أن الإدارة السياسية بدل ان تقطع الطريق على هذا الكابوس تتبنّى سياسة تساهم في تعميمه وتمركزه.
إتصال هاتفي مباشر بين المالكي وأردوغان عقب تصريحات الأخير لم يزل هذا التوتر، بل على العكس أدى الى تفاقم الأزمة بعد تحليلات متضاربة ومتباعدة حول مسار العملية السياسية في العراق.
المالكي لم ينتظر طويلا قبل شنّ هجومه المضاد هذه المرة، فسارع الى اتهام أنقرة بأنها تتدخل في شؤون القضاء العراقي، ثم حذّر حكومة اردوغان من انها تلعب دور المبشّر بالكوارث والويلات وتروّج للاقتتال المذهبي في العراق الذي لن تسلم هي أيضا منه. ليأتي الردّ من الأتراك هذه المرة من خلال تصريحات أقرب أعوان اردوغان النائب عمر شليك حول ان المالكي يتحدث كرئيس منظمة وليس كرئيس وزراء دولة، وان لا مشكلة لتركيا مع العراق، بل هناك مشكلة اسمها المالكي في العراق لتصبّ الزيت فوق نار الأزمة وتؤججها.
المالكي لم يجد خيارا آخر سوى إصدار أوامره باستدعاء السفير التركي في بغداد وإبلاغه انزعاج حكومته من المواقف التركية التي سارعت هي الأُخرى للإقدام على خطوة مماثلة، مؤكدة انها ماضية حتى النهاية في مواجهتها مع رئيس الوزراء العراقي.
سبب الانزعاج العراقي
وبالعودة الى خلفيات التوتر هذا لا يمكن إنكار ان ما ازعج المالكي في السياسة والموقف التركي هو الآتي:
– لعب انقرة، حسب ما يقول كثير من القيادات الشيعية، الورقة السنّية العراقية حتى النهاية، ووقوفها العلني الى جانب الهاشمي وفتحها الأبواب على وسعها أمامه كحليف وشريك.
– استقبال أنقرة القيادي صالح المطلك نائب رئيس الوزراء العراقي الذي دعا المالكي الى التنحّي قبل ان تقود مواقفه وسياساته الى تقسيم العراق، لاعبا هو الآخر الورقة التركية حتى النهاية.
– توفير أنقرة كل الخدمات والاستشارات للقوى التركمانية في العراق.
– عدم تردّد أنقرة في استضافة رئيس البرلمان العراقي والشخصية السنّية المعروفة النجيفي على طريق التشاور والتنسيق.
– التنسيق التركي ـ الكردي في موضوع الهاشمي وهو ما كان يستبعده المالكي بحكم الصعود والهبوط الدائم في العلاقات بين أنقرة واربيل الذي صبّ في مصلحته، لكنه هذه المرة تركه ضعيفا في مهبّ الريح عندما كرّر الرئيس العراقي ان الهاشمي ما زال نائبه وان اللغة المعتمدة في التعامل معه لا تليق ولا تستحقها شخصية عراقية مرموقة مثله.
…والموقف التركي
أمّا الأسباب التي دفعت أنقرة الى إعلان الحرب ضد المالكي بهذا النحو فهي بالدرجة الأولى:
– مسارعة رئيس الوزراء العراقي الى تبنّي خيار الوقوف الى جانب النظام السوري ورفضه الالتزام بسياسة ومواقف وقرارات جامعة الدول العربية والقوى الغربية في التعامل مع الملف السوري. والاهم هنا تحرك المالكي في هذا الاتجاه من دون العودة الى القيادات السياسية والحزبية ليستشيرها في قراره هذا. ولا حاجة هنا الى التذكير أن موقفا عراقيا من هذا النوع مشابها للموقف الايراني يعني إضعاف الموقف التركي في الموضوع السوري وترك تركيا وحيدة تتحمّل العبء الأكبر.
– الدخول الايراني القوي على خط الأزمة العراقية وتزايد نفوذها هناك، وتمركز طهران السياسي والاقتصادي والامني في كثير من المدن العراقية، اقلق تركيا ايضا التي لا تريد ان تفقد أحجارا مهمة على رقعة الشطرنج العراقية بعدما خذلت واشنطن كثيرين هناك بمغادرة مقصودة من هذا النوع.
– تزايد عدد الاصوات والتحليلات الغربية ويتقدّمها ما تتناقله مؤسسات الابحاث والدراسات الاميركية حول اقتراب العراق من الحرب العرقية المذهبية التي تحذّر أنقرة دائما منها، والحديث عن تفتيت العراق ضمن 3 دويلات تنتظر اعلان ولادتها وهو ما يتم الترويج له على أنه النموذج المرتقب في الشرق الاوسط الجديد لكثير من الدول العربية والاسلامية القلقة من سيناريوهات مماثلة وفي مقدمتها تركيا طبعا.
وآخر المواقف حول مسار الازمة كان دعوة عمر شليك مرة أخرى حكومة المالكي الى العثور على مهاجمي السفارة التركية وكشف هويتهم بدل التلهّي بتصريحات ضد الحكومة التركية، وان المالكي الذي يصرّ على أنه ينفّذ ما يأمره به الدستور يجد الرئيس العراقي الطالباني نفسه في مواجهته وهو يقول أن ما يجري يمسّ هيبة الدولة.
وخلال المؤتمر الصحافي المشترك في انقرة قبل يومين بين اوغلو ونظيره الايراني علي أكبر صالحي سُئل الوزير التركي عن تصريحات المالكي الاخيرة فكرّر القول ان تركيا لا تريد التدخل في شؤون جيرانها، "لكن أزمات الجيران ومشكلاتهم عندما ستنعكس سلبا علينا، لا يمكننا ان نبقى في موقع المتفرّج".
الوزير الايراني بدوره قال ان هناك سوء تفاهم ينبغي ازالته. طهران كما يبدو ستدخل على خط التهدئة بين انقرة وبغداد لكنها لن تكون اكثر من هدنة مؤقتة، فكثير من دول الجوار التي تبحث لنفسها عن فرصة ودور تسجل من خلاله بعض النقاط في رصيدها السياسي والامني لن تفرط بفرصة من هذا النوع.
على أن التنافس التركي ـ الايراني في العراق لم يصل بعد الى مرحلة حفر الخنادق لأنّ كثيراً من الملفات والمصالح المشتركة تحول دون ذلك، لكن أي اهتزاز وتراجع غير محسوب في العلاقات التركية ـ الايرانية، وهو احتمال وارد في كل لحظة، سيدفع الى الحديث عن سيناريوهات اكثر سوداوية بين أنقرة وطهران بسبب الساحة العراقية التي لا تقل سخونة عن الساحة السورية، وهذا ما يريده شركاء واصدقاء كثر للطرفين، طالما ان ذلك يقود الى تحقيق غايتهم الاولى تفجير العلاقات التركية ـ الايرانية لتحصين مواقعهم هم اكثر فأكثر.