كتب أسعد بشارة في صحيفة "الجمهورية": الكلام الذي صدر عن الفريق (رتبته العسكرية الجديدة) قاسم سليماني، كان واضحا وحقيقيا ومعبراً أميناً عن سياسة الجمهورية الإسلامية في إيران منذ إنشائها في العام 1979.
ولعلّ بعض الردود على سليماني كانت طريفة، إلى حدّ التَخيّل بأن أصحابها هم إمّا سياسيون يحترفون التفوه بكلام لا معنى محسوس له، أو أنهم لا ينتمون إلّا إلى تاريخ اللحظة الآنيّة التي تعني الانقطاع عن فهم الأحداث والمحطات التاريخية، حتى القريبة منها زمنيّاً.
البعض من هؤلاء فوجئ بما قيل، والأكثر وَعياً اصطنع الشعور بالتفاجؤ، والأكثرية منهم توَجّهت بكل سلامة نيّة إلى "حزب الله" طالبة توضيحات، والبعض الآخر أسقط القناع عن وجه الحزب، كأن الحزب نجح منذ تأسيسه إلى اليوم بارتداء قناع مقنع لإخفاء ما حاول أمينه العام الافتخار به في إحدى الخطب الشهيرة، والمتعلّق بالالتزام السياسي (وليس فقط الديني) ولاية الفقيه.
وإذا كانت مواقف سليماني مفاجأة لم تفاجئ أحداً، إلا من أراد هو أن يتفاجأ، فإن كل الشواهد على مرحلة تأسيس "حزب الله"، لم تحمل أي التباس في ما يتعلق بارتباط الحزب كوليد شرعي للجمهورية الإسلامية، وليد يحمل مشاعر الوفاء والالتزام والتماهي والقناعة المطلقة، لا بل الفخر بأنه ابن هذه التجربة. وأنه مكلّف، ليس فقط من الناحية الشرعية والدينية، بل من منطلق التزام لعب دور الجزء المكمّل للكل، في السياسة والاستراتيجية والثقافة والتحالفات على مستوى لبنان والعالمين العربي والإسلامي.
وبناء على ذلك، هل يصبح مفاجئا أو غريبا الكلام الذي صدر عن سليماني والذي اعتبر فيه أن بلاده حاضرة في الجنوب اللبناني وفي العراق، وأن هذين البلدين خاضعان لإرادة طهران وأفكارها؟ وهل يكون مستهجنا أن يقول إنّ في إمكان الجمهورية الإسلامية تنظيم أي حركة تؤدي إلى تشكيل حكومات إسلامية هناك بُغية مكافحة الاستكبار؟
لا يكون مستهجنا أبداً إذا ما تمّ ربطه مع أدبيات خطاب التأسيس في "حزب الله"، الذي يمكن معاينته بوضوح بالعودة إلى الـ"يوتيوب"، وتحديدا إلى المحاضرة الفقهية للسيد الشاب حسن نصرالله الذي حدّد معالم مشروع "حزب الله" في لبنان بقوله: "مشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنّى غيره، لأننا مؤمنون عقائديون، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وان يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، إنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني".
لا يكون مستهجنا إلا من زاوية استغراب طريقة سقوط قيادي في الجمهورية الإسلامية بمستوى سليماني، في خطأ أدّى عن غير قصد إلى توجيه صدمة سلبية لمشروع العلاقات العامة الطويل الأمد، الذي نجح "حزب الله" في بنائه منذ تنحية الأمين العام السابق للحزب صبحي الطفيلي وحتى الأمس القريب، والقائم ظرفيّا على تقديم صورة جديدة للحزب مغايرة للتي انتجت ظروف التأسيس، وهي الصورة الجديدة التي ما لبث كلام سليماني أن أعادها إلى الطبعة الأصلية، التي تعكس حقيقية وجود مشروع أعلن عنه أصحابه في بداية الثمانينيات، وبقي هو هو من دون تعديل إلّا من حيث الشكل وضرورات الزمن وملاءمة الظروف.
وبناء على هذا الاتساق التاريخي، لا يصبح الكلام الجديد القديم لقاسم سليماني، سوى موقف تذكيري بمشروع الجمهورية الإسلامية الذي لم تنجح حملات العلاقات العامة التي مارستها القيادة الإيرانية وأبناؤها في تغيير ملامحه.